في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، أكد الدكتور فتح الله أمي على أن التكنولوجيا الفضائية مؤشر على القوة وكل دولة نجحت في إرسال البشر إلى المحطة الفضائية دخلت نادي القوى العظمى، مصرحاً: “حتى الآن لم تنجح في هذه المهمة سوى ثلاث دول هي روسيا والولايات المتحدة والصين. الهند واليابان كذلك تشتغلان على ذلك لكنهما لم تحققا بعد هذا الهدف”.

وقال إن بالنسبة لأوروبا يحظى إطلاق الأقمار الصناعية واستخدام الإمكانيات التي توفرها تلك الأقمار بأهمية أكبر، مضيفاً: “معظم الدول التي تنظر إلى الفضاء من منظور تجاري، تسعى وراء إطلاق الأقمار الصناعية أما الدول التي تخطط لتصبح قوة فضائية، فتضع على جدول أعمالها إرسال البشر إلى الفضاء”.

وتابع أستاذ جامعة تربية المعلمين الإيرانية: “وثيقة إيران الجو-فضائية الصادرة في عام 2013، في فصلها الخامس وبندها الثالث، تتطرق إلى مهمة إرسال البشر إلى الفضاء مؤكدة على حصول إيران لهذه التكنولوجيا بحلول عام 2025. غير أن الحصول على هذه التكنولوجيا – التي تمثل رمزاً للتطور التكنولوجي للدول التي أرسلت البشر إلى الفضاء – ليس سهلاً. واصلت إيران برامجها في هذا المجال من خلال إرسال عدد من الكائنات الحية انتهت بإرسال قرود المكاك الريسوسي التي هي قادرة على تحمل قوة 9 جي (قوة التسارع) وقد تم إنجاز اثنان من الإطلاقات الثلاثة بنجاح”.

وقال إن هذا البرنامج شهد توقفاً طويلاً بعد إرسال الكائنات الحية للفضاء وهو لا يزال متوقفاً، مضيفاً: “من بين 24 دولة في المنطقة، أحرزنا المركز الثاني في إطلاق الأقمار الصناعية وتحديد الموقع، والمركز الثالث في مجال الاكتشافات الفضائية حيث نجحنا في إرسال 9 مسابير لاكتشاف الفضاء”.

وفي ما يتعلق بالأخبار المتداولة بشأن بلوغ عملية إنشاء محطة تيانغونغ الفضائية الصينية آخر مراحلها واحتمال خروج روسيا من المحطة الفضائية الدولية للانضمام إلى محطة الصين الفضائية وما يتسبب فيه من اشتداد التنافس الفضائي بين القوى العظمى، قال المستشار العلمي الإيراني السابق في روسيا: “تلعب العقوبات وكذلك إستراتيجية موسكو وبكين لتطوير التعاون الفضائي دوراً مهماً في هذا المجال. أساس تكنولوجيا الصين الفضائية روسي وحصلت الصين عليها عبر روسيا؛ إذن التكنولوجيا الفضائية بين البلدين متقاربة. وفي حال قيامهما باستثمارات مشتركة في مجال التكنولوجيات الفضائية مستقبلاً، سيكون بإمكانهما تحقيق نجاحات كبيرة”.

وذكر الأستاذ الجامعي أن روسيا أعلنت على خلفية الحرب في أوكرانيا أنها ستلتزم بجميع تعهداتها تجاه المحطة الفضائية الدولية بمعزل عن القضايا السياسية، قائلاً: “منذ عام 2019، شهدت الأنشطة الفضائية الصينية والروسية تطوراً ملحوظاً في سرعة تقدمها وتنوعها. وكان قد صرح مسؤول عسكري أمريكي بأن الصين وروسيا، بصفتهما خصمين إستراتيجيين رئيسيين للولايات المتحدة، تقومان بخطوات تهدف إلى إضعاف الولايات المتحدة وحلفائها في مجال الفضاء، للسيطرة على هذا المجال من أجل تحقيق الانتصار في الحروب الحديثة”.

وأشار أمي إلى التعاون بين الصين وروسيا في مجال الفضاء وانعكاساته على التنافس بين القوى العظمى والتحديات التي تواجه الأمن والاستقرار في الفضاء، موضحاً: “من منظور التكنولوجيا الفضائية، تحتل روسيا المركز الأول في العالم ويشكل تعاونها مع الصين خطوة كبيرة في مجال تطوير البحوث الفضائية. لا شك في أن لهذا التعاون جوانب عسكرية كذلك، خاصة وأن الجيش الصيني يقف وراء المشاريع الفضائية في البلاد. أقمار التجسس ترصد بدقة عالية أنشطة الدول والأقمار الصناعية الأخرى وتقوم بتحديث المعلومات التي توجد بحوزة الدول. في هذا الخضم، تعمل الصين وروسيا بشكل متسارع على تطوير قدراتهما في مجال الأسلحة الفضائية والصاروخية وإدارة الحروب الإلكترونية”.

وبيّن المستشار العلمي السابق لإيران في روسيا أنه ينبغي على إيران أن تتعاون مع الصين وروسيا إذا أرادت تطوير هذه التكنولوجيا، مضيفاً: “اليوم نرى الأهمية المتزايدة للتكنولوجيا الفضائية ولا بد لنا أن نستثمر في هذا المجال. في هذا الإطار، يجب أن نأخذ في الاعتبار الإستراتيجية الكلية التي ترسمها الوثائق الوطنية”.

وأكد أمي أن أوروبا والولايات المتحدة لا ترغبان على الإطلاق في أن تحصل إيران على التكنولوجيا الفضائية، قائلاً: “بالنظر لأهمية الاتصالات وكذلك حاجة بلادنا الماسة لها، يجب أن نصل إلى مرحلة نكون فيها قادرين على وضع الأقمار الصناعية في مدار الأرض بشكل مستقل لكي لا ندفع أثمان باهظة لاستخدام الأقمار الصناعية المؤجرة. كمثال واحد، تدفع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ما يقارب 250 مليون دولار سنوياً لتأجير الأقمار الصناعية”.

وشدد على ضرورة الاهتمام بتطوير البحوث في مجال إطلاق الأقمار الصناعية وإرسال البشر إلى الفضاء، قائلاً: “تتمتع إيران بطاقات عالية من ناحية المعرفة الفنية والموارد البشرية المتخصصة. الاستثمار في هذا المجال يحقق لنا مكاسب جيدة جداً. بالنظر لكيفية العلاقات بين إيران ورسيا، وفي ظل العقوبات المفروضة على البلدين، توفرت فرصة جديدة للتعاون. خاصة وأن التعاون بين البلدين في هذا المجال في الفترات السابقة قد أثمر عن نجاحات كبيرة”.

وقال أمي إن إحدى طرق تطوير الصناعات الفضائية هي إبرام اتفاقيات مع الدول المتقدمة والتعاون معها في مختلف المجالات بهدف تبادل المعارف والتكنولجيات، مردفاً: “على سبيل  المثال، أنتجت البرازيل بالتعاون مع الصناعات الفضائية الروسية صواريخ حاملة مختلفة مثل الصواريخ الخفيفة ألفا وبيتا وجاما في إطار مشاريع مشتركة. كما أبرمت مع الصين صفقة لصناعة قمرين صناعيين لمهمة تصوير الأرض بهدف الاستخدام في مجالات الزراعة والجيولوجيا وعلم المياه”.

وأوضح الرئيس السابق لمعهد بحوث الجو-فضاء الإيراني الإستراتيجيات التي يتعين على إيران اعتمادها لتطوير صناعاتها الفضائية، مضيفاً: “ينبغي على إيران أن تولى اهتماماً أكبر بمواردها البشرية المتخصصة من خريجي الجامعات الإيرانية الممتازة. كما ينبغي على الحكومة أن تتابع تنفيذ الوثيقة التي اعتمدها المجلس الأعلى للثورة الثقافية؛ لكن مع الأسف، تأخر تنفيذها إلى حد كبير بسبب العقوبات والمشاكل المالية والافتقار إلى معرفة كافية للتكنولوجيا الفضائية واللامبالاة بأهميتها لمستقبل البلاد”.