فيما يتعلق بأسباب بدء هذه الحرب، تم تقديم تحليلات مختلفة، ولكن يبدو أن النهج الجيوسياسي والاهتمام بالأهمية الأمنية والاقتصادية للمناطق البحرية في السياسة الخارجية لروسيا هو وجهة نظر أساسية لا ينبغي إهمالها على أي حال. منذ عام 1696، عندما قال بطرس الأكبر، “الحاكم الذي لديه قوات برية فقط له يد واحدة، ولكن الذي يمتلك القوة البحرية أيضاً فلديه الاثنان”، وجدت السياسة المائية مكاناً خاصاً في السياسة الخارجية لروسيا وأصبحت قوة دافعة في المنطقة والعلاقات الدولية لهذا البلد. في الوقت الحاضر، يعتبر بوتين، رئيس روسيا، بطرسَ الأكبر كأهم نموذج يحتذى به ويحاول إدارة روسيا الجديدة وفقاً لآراء هذا القيصر المقتدر في تاريخ بلاده.

تقع روسيا في شمال آسيا وأوروبا الشرقية، ولها حدود مائية مع شمال المحيط الهادئ والمحيط المتجمد الشمالي وكذلك مع بحر قزوين والبحر الأسود وبحر البلطيق. هذه الدولة الشاسعة لها حدود برية مع 14 دولة آسيوية وأوروبية ولها روابط بحرية مع البلدان المحيطة ببحر بيرنغ وبحر اليابان وبحر قزوين والبحر الأسود وبحر البلطيق. بناءً على ذلك، يتضح أن لروسيا حدوداً بحرية كثيرة، لكن معظم هذه الحدود مجمدة في معظم أيام السنة، وهي عملياً لا تتمتع بكفاءة تجارية وعسكرية هامة. في هذا الظروف يكون البحر الأسود مهماً جداً لهذا البلد نظراً لموقعه الجيوسياسي المتميز.

يربط البحر الأسود ست دول مجاورة، هي روسيا ورومانيا وبلغاريا وأوكرانيا وجورجيا وتركيا، بالمحيط الأطلسي عبر البحر الأبيض المتوسط. من بين هذه الدول الست، ثلاثة منها (رومانيا وبلغاريا وتركيا) أعضاء في الناتو، وإن رغبة أوكرانيا وجورجيا في الانضمام إلى هذا الاتفاق الأمني أدى إلى مخاوف لدى ​​مسؤولي الكرملين من خطر إحاطة بلادهم بالحلف العسكري المنافس لهم في منطقة البحر الأسود؛ أدى هذا القلق إلى فصل شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا وضمها إلى روسيا في عام 2014، وحالياً نجمت عنه حرب روسيا المكلفة والشاملة ضد أوكرانيا.

ومن ناحية أخرى، فإن نشر الصواريخ الأمريكية متوسطة المدى في رومانيا يهدد سلامة أراضي روسيا عبر البحر الأسود، ويعني أن جزءاً كبيراً من الجزء الأوروبي من هذا البلد يقع في مرمى القوات الأمريكية؛ الجهد المستمر من قبل الحكومة الأمريكية لتعزيز الوجود العسكري في البحر الأسود هو سبب آخر يجعل هذا البحر مكاناً جيوستراتيجياً مهماً للسلطات الروسية.

من وجهة نظر نقل الطاقة، فإن البحر الأسود، إلى جانب مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، لهما أهمية خاصة، وفي كل عام، يصل أكثر من 200 مليون طن من النفط الخام إلى أسواق الاستهلاك عن طريق المرور عبر البحر الأسود.

تبدو أهمية البحر الأسود من وجهة نظر العبور البحري، وخاصة تصدير المنتجات الزراعية (الفواكه والخضروات)، وإجراءات الحكومة التركية لاستكشاف موارد الغاز في هذا البحر واكتشاف حقلي “التونة” و”صقاريا” للغاز، ومن ناحية أخرى، وقد ساعد مرور خطين لنقل الغاز الطبيعي من أعماق البحر الأسود، يطلق عليهما “التيار الأزرق” و “التيار التركي”، اللذان ينقلان الغاز الروسي المنتج إلى الدول الأوروبية، على تحسين الوضع الجيواقتصادي لهذا البحر مع روسيا.

بناء على ذلك، مع وجود هذه المكانة الجيوسياسية والجيوستراتيجية للبحر الأسود بالنسبة لروسيا، يبدو أن أي تحليل لبداية الحرب في أوكرانيا وسيرها لا يمكن أن يتم دون معالجة دور هذا البحر الزاخر بالنزاعات. الرغبة الطموحة للحكومة الروسية في السيطرة على بحر آزوف ومضيق وميناء كيرتش وإنشاء ممر بري (ممر يربط بين روسيا والقرم بدونيتسك ولوهانسك) إلى جانب رد الفعل الضعيف من المجتمع الدولي الذي أدى إلى احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، كانت من بين أهم الأسباب التي حثت المسؤولين الروس على شن هجوم واسع النطاق على أوكرانيا.

على الرغم من أن خطة سلطات الكرملين كانت في البداية هجوم خاطف واحتلال سريع للعاصمة والمدن الرئيسية في أوكرانيا، لكن واقع ساحة المعركة، التي تشكلت من خلال الدعم الشامل من أوروبا والولايات المتحدة، حولت هذه المعركة إلى حرب استنزاف نسبي، ومقاربة السلطات الأوروبية والأمريكية تشير أيضاً إلى أن الجبهة الغربية، خلافاً لمزاعمها الإعلامية، حددت مصالحها في إطالة أمد هذه الحرب من أجل تقليص القوة العسكرية الروسية وإضعافها تماماً.

في مثل هذه الظروف، يبدو أن روسيا ستركز على احتلال مناطق حساسة من أجل تجنب هزيمة مخزية أو الوقوع في حرب استنزاف مكلفة، وستكون الشواطئ الشمالية للبحر الأسود إحدى هذه المناطق الاستراتيجية التي تستهدفها روسيا ومن المرجح أن نهاية الحرب ستكون باحتلال هذه المناطق بالكامل. تسمح الهيمنة على هذه السواحل لروسيا بتحرير نفسها من الاختناقات الاستراتيجية والجيوسياسية، وتقليل عدد البلدان المطلة على البحر الأسود وخفض التداعيات الأمنية الناجمة عن تعدد البلدان في هذه المنطقة، من خلال تحويل أوكرانيا إلى دولة غير ساحلية ستقوم باحتواء هذا البلد ومعاقبته وطبعاً تقوم باقناع الرأي العام في روسيا والعالم بإعلان انتهاء الحرب في أسرع وقت ممكن.

من ناحية أخرى، ستمهد هذه الإجراءات الطريق لخطط روسيا المستقبلية في مجال منع تصدير الطاقة من البحر الأسود إلى أوروبا، أو على الأقل رفع تكلفتها واكتساب أداة ضغط ضد أوروبا.

بناءً على المعادلات الإستراتيجية للمنطقة، يبدو أن بوتين قد حدد مثل هذه الخطة لإدارة نهاية الحرب في أوكرانيا ويحاول استخدام استراتيجيات مثل الهيمنة العسكرية الكاملة، وتحفيز الميول العرقية لسكان المناطق الشرقية من أوكرانيا، وباستخدام الأساليب التقليدية، بما في ذلك الاستفتاء وإذا لزم الأمر سيحقق أهدافه (في حال عدم نجاح الحلول الأخرى)، من خلال اللجوء إلى العنف الواسع النطاق الذي سيجبر الطرف الآخر على إنهاء الحرب.

على الرغم من أن تركيا ودول أخرى على طول ساحل البحر الأسود وحلف شمال الأطلسي والجبهة الغربية بشكل عام لها مصالح واسعة في منع حدوث ذلك، علينا أن ننتظر ونرى أي جانب لديه المزيد من الإرادة والقوة في هذه المنافسة، والبحر الأسود الذي يعتبر أحد الأسباب الجادة لبوتين لدخول هذه الحرب باهظة الثمن، هل يكون حلاً لخروجه من هذه الحرب أو يقضي على مصداقية روسيا وقوتها.