في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، تطرق مرتضى مكي إلى اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة السبع وبيانه الختامي، قائلاً: “تعهد وزراء الخارجية خلال هذا الاجتماع بتعزيز العمل على عزل روسيا اقتصادياً وسياسياً وإطلاق 25 طن من الحبوب المخزنة في موانئ أوكرانيا عبر فك الحصار الروسي عنها. يبدو أنه في ظل استطالة أمد الحرب، يحاول كل طرف استغلال جميع أدواته لممارسة الضغوط على الطرف الآخر وإحباط مفعول سياساته”.

 

إساءة استغلال الحاجات الإنسانية الأساسية في حرب أوكرانيا

ولفت إلى التحديات التي ولّدتها حرب أوكرانيا في مجال نقص الحبوب والزيوت خاصة في الدول الأوروبية وارتفاع أسعار هذه السلع، مضيفاً: “سعت روسيا حتى الآن لأن تستغل بأقصى ما يمكن ورقتي الطاقة والغذاء للضغط على الدول الغربية وتخفيف آثار عقوباتها. في ظل هذه الحرب، عمد كلا الطرفين إلى استغلال الحاجات الإنسانية الأساسية كأدوات ضغط. في هذا السياق، يسعى الغرب كذلك إلى فرض أقسى العقوبات على روسيا للاستفادة القصوى من الفرصة التي توفرت لاحتوائها والتأثير على سياساتها الإقليمية”.

وتابع الخبير في الشؤون الأوروبية: “صرحت وزيرة الخارجية الألمانية أن روسيا تشن حرب القمح على الدول الغربية وتسعى متعمدة إلى توسيع رقعة آثار حرب أوكرانيا على مستوى العالم خاصة في أفريقيا من أجل إضعاف وحدة الموقف الدولي ضدها. وأكد وزراء خارجية دول مجموعة السبع على أن حرب أوكرانيا ولّدت إحدى أسوأ أزمات الغذاء والطاقة في التاريخ المعاصر”.

 

مسعى الدول الغربية لاستغلال الرأي العالم في الدول الآسيوية والأفريقية

ولمّح إلى محاولات الدول الغربية للتأثير على الرأي العام في الدول الآسيوية والأفريقية لكي يدعم سياساتها ضد روسيا، قائلاً: “أزمة الغذاء تلقي اليوم بظلالها على العالم وقد اختلّت سلاسل إنتاج وتجارة المواد الغذائية على وقع عوامل متعددة من بينها الجفاف والتغيرات المناخية ونقص الأسمدة الكيميائية وارتفاع أسعار النفط وحرب أوكرانيا. في ظل هذه الظروف، تأتي الدول الأفريقية والآسيوية الفقيرة في مقدمة الدول التي تتضرر من جراء تعثر تصدير الحبوب من أوكرانيا بسبب الحرب الدائرة فيها”.

وأضاف محلل الشؤون الأوروبية: “لتبرير سلوكياتها ضد روسيا أخلاقياً وإنسانياً، تحاول الدول الغربية إظهارها على أنها مسعى لتخفيف التداعيات الناجمة عن نقص الحبوب خاصة بالنسبة للدول الأفريقية التي تعتمد على الحبوب الأوكرانية والروسية”.

وأكد على أن روسيا لم تحقق بعد أهدافها الميدانية وتحاول في الوقت الحالي الحؤول دون وصول أوكرانيا إلى البحر الأسود، موضحاً: “البحر الأسود أهم طرق تصدير الحبوب من أوكرانيا إلى العالم وقد تم تجهيز الموانئ الأوكرانية على شواطئ هذا البحر من أجل هذا الغرض على الأغلب. استطاع الروس من تحقيق بعض النجاحات في التحكم بهذه الموانئ وإذا نجحوا في تحقيق أهدافهم في أوديسا، ستهمين روسيا نهائياً على تصدير الحبوب من أوكرانيا”.

وفي ما يتعلق بمحاولات روسيا فرض شروطها على الدول الغربية مستغلة المخاوف من نقص الحبوب في العالم، قال: “أعلن بوتين أن إنتاج روسيا من القمح سيصل هذا العالم إلى 87 مليون طن، في حين أن وزير الخارجية الأوكراني ادعى أن روسيا رفعت إنتاجه لهذا الحجم بمصادرة القمح الأوكراني”.

ووفقاً للخبير، رغم أنه لم يتبين بعد كيف ستتمكن روسيا من تصدير هذه الكميات من القمح و25 مليون طن من القمح المخزن في أوكرانيا بسبب العقوبات المفروضة عليها، لكن من الواضح أن ورقتي الغذاء والطاقة تكتسب أهمية متزايدة للروس الذين يحاولون كسر الحصار المفروض على بلادهم باستغلال حاجات العالم. في المقابل، يسعى الغرب إلى إحباط مفعول هذه الأدوات”.

وتابع مكي: “بعد فشلها في تحقيق أهدافها عسكرياً، تحاول روسيا رفع أثمان الحرب في أوكرانيا بالنسبة للدول الأوروبية؛ الأثمان التي تكتسب أهمية أكبر خاصة في ظل ارتفاع التضخم والنقص في بعض السلع الذَينِ يؤثران سلباً على المواطن الأوروبي. إذن كلما استطال أمد الحرب، تزداد تكاليف الدول الأوروبية كذلك”.

وشدد على أن الدول الأوروبية تسعى إلى استغلال الرأي العام وكسب الدول الأفريقية والآسيوية إلى صفها للتخفيف من آثار توظيف روسيا ورقة الغذاء، قائلاً: “فضلاً عن ذلك، نجحت الدول الغربية حتى الآن في إقناع الرأي العالم الغربي بشأن أسباب النقص في الطاقة وبعض السلع بإلقاء المسؤولية على عاتق السياسات الروسية تجاه أوكرانيا. لكنه من المؤكد أن ارتفاع التضخم واشتداد الركود في الدول الغربية سيتسببان في مزيد من الاحتجاجات على المدى البعيد”.

وتابع مكي: “في الأيام القادمة، فرنسا مقبلة على الانتخابات البرلمانية وتشير استطلاعات الرأي إلى حظوظ اليسار المتطرف العالية لحصد مقاعد في البرلمان، ما يمثل تحدياً للحكومة الفرنسية. كذلك تمر الحكومات في باقي الدول الأوروبية بظروف هشة. فضلاً عن ذلك، فإن تحمل المواطنيين الأوروبيين للتضخم ليس كبيراً. وإذا لم يكن هناك أفق لتحسن واقع التضخم، فقد تتشكل آمال لدى الروس بشأن اضطرار أوروبا إلى إعادة النظر في سياساتها”.

واختتم محلل الشؤون الأوروبية: “رغم ذلك، يبدو أن أوروبا ستبذل قصارى جهدها لاحتواء روسيا وإضعافها وتقليص تأثير سياستها خاصة على الدول الأوروبية وهو ما نجحت أوروبا في إنجازه لحد الآن من خلال إيجاد مصادر بديلة لاستيراد جزء من الطاقة التي تحتاج إليها”.