بقی أقل من ثلاثة أشهر حتی إجراء الإنتخابات الرئاسیة في فرنسا (10 أبریل 2022)، وأعلن قادة أحزاب البلد أستعدادهم للحضور في هذه المنافسة السیاسیة. وفي الفرصة القصیرة المتبقیة حتی تاريخ إجراء الإنتخابات، یسعی ماكرون بإعتباره رئیسا لفرنسا، الحفاظ علی تقدمه علی المرشحین الآخرین، والإستفادة الکاملة من فرصة رئاسة بلده للإتحاد الأوروبي، و هو مسعی لاشک النجاح فيه صعب، نظراً للعوائق والتحدیات الداخلیة والخارجیة (الأحزاب الداخلیة الفرنسية و بعض أعضاء الإتحاد الأوروبي).

وطبقا لذلک، یحتاج الرئیس الفرنسي إلی متابعة برامجه الإنتخابیة المحلیة بالتزامن مع تحقیق أولویات الرئاسة الدوریة لفرنسا علی الإتحاد الأوروبي؛ برامج تعتمد إلی حد کبیر، في الساحة الداخلیة، علی موضوع التصنیع الفرنسي و علی مستوی الإتحاد الأوروبي، علی تعزیز الإستقلال الإقتصادي و الدفاعي و الأمني للأوروبا والتي تندرج في إطار تعزیز سیادة الإتحاد الأوروبي.

 

أولویات الرئاسة الدوریة لفرنسا علی الإتحاد الأوروبي

وفي إطار الشعارات الثلاثة للنهوض (إعادة البناء الإقتصادي)، والسلطة (تعزیز السیادة الأوروبية والدفاع) و الإنتماء (تعزیز شعور المواطنین بالإنتماء إلی الإتحاد الأوروبي)، یحاول الرئیس الفرنسي، خلال الأشهر الثلاثة المقبلة حتی إجراء الإنتخابات، الترکیز علی أولویات مثل الهجرة وإلإصلاحات في منطقة الشنغن، وإصلاحات المیزانیة في الإتحاد الأوروبي، والمضي قدماً في إنشاء النظام الدفاعي الأوروبي المستقل لتعزیز السیادة الأوروبية، وزیادة إستثمار الدول الأوروبية في الرقمنة و تغییر المناخ، والتحرک نحو إقتصادات خالية من الکربون، و تعزیز التعاون الأوروبي مع إفریقیا، والعمل المشترک للإتحاد الأوروبي في المجالات الجدیدة والمثیرة للجدل بما في ذلک، الفضاء السيبراني والأبحار والدفاع السیبراني، ودعم الإتحاد الأوروبي المشترک للإبتکار الصناعي وإعادة النظر في علاقات الإتحاد الأوروبي مع روسیا والصین، من أجل تعزیز مکانته في المنافسات الإنتخابیة.

وقد أعلن ماكرون هدفه من هذه البرامج وهو تقلیل إنفاق الإتحاد الأوروبي في مناطق خارج الإتحاد الأوروبي، وتعزیز الدفاع الأوروبي، و زیادة الإستقلال الإستراتیجي لأوروبا عن الولایات المتحدة الأمریکیة. بالطبع، یعتقد ماكرون أن برامج تعزیز الدفاع الأوروبي سيکون مكملاً لبرامج للناتو و لاتتعارض مع برامج الناتو. ويعتقد الكثير من المحللین أن تحقيق هذه الأهداف أو جزء منها في المدة القصیرة للرئاسة الدوریة لفرنسا علی الإتحاد الأوروبي، سيكون صعباً نظراً للخلافات بین الدول الأعضاء للإتحاد الأوروبي.

مع هذا، مع دراسة اولویات حکومة ماكرون داخل فرنسا علی مدی السنوات الأربع الماضیة و مقارنتها بأولویات الرئاسة الدوریة لهذا البلد علی الإتحاد الأوروبي، سنجد أن العدید من الموضوعات التي طرحها ماكرون کـأولویات الرئاسة الدوریة لفرنسا علی الإتحاد الأوروبي، هو في الحقیقة، نفس أهداف و برامج حکومته و یمکن النظر إلیها في سیاق إستخدام إمکانیات الإتحاد الأوروبي في خدمة المصالح الوطنیة لفرنسا.

 

الأولویات الإنتخابیة للرئیس ماكرون داخل فرنسا

و وفقاً لنظریة اللیبرالیة الجديدة، یعتقد الرئیس ايمانويل ماکرون على المستوی الداخلي الفرنسي، أن الحکومة یجب أن تکون في خدمة السوق عبر دعم الشرکات مالیاً و خفض ضرائبها. وعلی أساسها، یسعی الرئیس اغتنام الرئاسة الدوریة لفرنسا علی الإتحاد کـفرصة ذهبیة لمتابعة برامجه الإصلاحیة داخل فرنسا بإختیار الشعار الرئیسي للتصنیع الفرنسي عبر التخفيضات الضریبیة علی الشرکات بهدف استقطاب الإستثمار الأجنبي و طرح البعض الآخر من المشروعات الإقتصادیة التي تتماشی مع عدد من البرامج الرئاسة الدوریة لهذا البلد علی الإتحاد الأوروبي.

بالطبع، إجراء الإصلاحات في المجالات الإقتصادیة المختلفة (نظام التقاعد، والنظام الضریبي، و خصخصة بعض الشرکات مثل شرکة النقل الحضري الفرنسي)، کان علی جدول أعمال الحکومة الفرنسية منذ وصول ماكرون إلی السلطة، لکن أزمة السترات الصفراء و ما تلاها من تفشي فیروس کورونا أدت إلی إبطاء تنفيذ الإصلاحات، بحیث أن ماكرون إضطر للتراجع عن متابعة جزء کبیر منها؛ نهج أدی إلی ظهور مشاکل إقتصادیة کثیرة لماكرون، لکنه في الظروف الحالیة یترقب تعویض جزء من هذا التراجع الذي قلل من شعبیته ایضاً، من خلال إغتنام فرصة الرئاسة الدوریة لفرنسا علی الإتحاد الأوروبي وتقدیم أولویاته التي يتماشی الکثیر منها مع برامجه الإصلاحیة الداخلیة لحکومته. تطور مثل هذا النهج (محاولة إستخدام إمکانیات الإتحاد الأوروبي من أجل تحقیق الأهداف الوطنیة والإنتخابیة)، علی أساس رأی منتقدیه والخلافات بین أعضاء الإتحاد الأوروبي، یبدو عملاً صعباً؛ ولکن یمکن أن یوفر فرصة لماكرون حتی یظهر سعیه لرفع مکانة فرنسا في الإتحاد الأوروبي و یعزز من شعبیته لدی الرأي العام و من ثم مکانته بین المرشحین الآخرین.

 

النتیجة

بشکل عام، حاول ماكرون خلال السنوات الأربع الماضیة، بإعتباره رئیساً لفرنسا، وضع الإتحاد الأوروبي في خدمة الأهداف الإقتصادیة لحکومته مع شعار ضرورة إصلاح هیکلیة الإتحاد الأوروبي خاصة في منطقة الیورو؛ موضوع واجه العوائق و المعارضة من قبل بعض الدول الأعضاء في هذه المجموعة بما في ذلک المانیا و منطقة الشمال.

حالیاً و مع تنحي میرکل عن السلطة وإعطاء الضوء الأخضر الأمریکي للإتحاد الأوروبي، ینوي الرئیس الفرنسي مرة أخری استخدام قدرات الإتحاد الأوروبي تحت شعار تعزیز السیادة الأوروبية من خلال إصلاح هیکلها کجزء من أولویات فرنسا في فترة  رئاستها علی الإتحاد الأوروبي من أجل تأمین المصالح الوطنیة لبلده و في النهایة تعزیز القوة الإقتصادیة والسیاسیة لهذا البلد في الإتحاد الأوروبي؛ سیؤدي هذا بلا شک إلی إطلاق ید ماکرون في نقاشات مختلفة مع منافسیه ویمهّد الطریق لفوزه في إعادة إنتخابه. مما لاشک فيه أنه من أجل تحقیق هذا الهدف، بالإضافة إلی إحتمال معارضة بعض أعضاء الإتحاد، فإنه سیواجه أیضاً عقبات من قبل الأحزاب الیمینیة المتطرفة والیساریة في الداخل، لکن من غير المؤكد أن هذه العقبات یمکن أن تؤثر علی تقلیل مکانة الحزب الجمهوري بزعامة ماکرون في الحملة الإنتخابیة .