قبل عقدين، استخدمت هيزل هندرسون، عالمة الاقتصاد والباحثة في الدراسات الاستشرافية، مصطلح “الكازينو المالي العالمي” في كتابها “التنمية والعولمة” لوصف عولمة الأسواق المالية؛ كازينو يتسبب افتقاره للقوانين المنظمة له كسوق عالمية إلى حالات عدم استقرار يمكن الإشارة من بين أمثلته إلى الأزمة المالية خلال عامي 2007 و 2008. لذلك، تكمن أهمية الأنباء عن هبوط أسعار العملات المشفّرة في كونها مؤشراً محتملاً على الأضرار التي تلحق برساميل المستثمرين.

تم تطوير أولى العملات المشفّرة في عام 2008 وانتشر استخدامها كنسخة مماثلة عن النقود الإلكترونية. ويعني انتشارها كنسخة مماثلة للنقود المادية أنها تؤدي نفس الوظائف التي تؤديها وسائط التبادل. كانت بيتكوين أولى العملات المشفّرة، أما عددها اليوم فقد وصل إلى 1600 ومن بين أهم خصائصها أنها لا تُنتَج (أو لا تُصدَر حسب المصطلح الخاص بالنقود) تحت إشراف مؤسسات رسمية وطنية أو دولية.

تعدين العملات المشفّرة يعتمد على عمليات الحوسبة يمكن القيام بها حتى بصورة فردية. إلا أن هناك نقطة مهمة وهي أن معظم العملات المشفّرة لها عدد محدود وثابت من العملات ولذلك لا يمكن تكثيرها بدون قيود. رغم إيجابياتها المتعددة، تواجه سوق العملات المشفّرة بعض الثغرات من أبرزها عدم الاستقرار والافتقار للقوانين.

وفق أدبيات القوانين والتشريعات المنظمة للتبادلات، فإذا ارتكب أحد طرفي الصفقة خداعاً بعرض سلعة بغير مواصفاتها الحقيقية فإن فرص مطاردته قانونياً تبقى ضئيلة أو تكون عالية التكلفة أو يتطلب العثور عليه بحث ومعالجة كمّاً هائلاً من المعلومات، فحينها يقال إن كلفة التبادل في هذا السوق عالية ولا تتحقق الصفقات المربحة بشكل متبادل في الكثير من الحالات. لذلك، فإن المساس بالثقة والاطمئنان، من شأنه أن يؤدي إلى أضرار بالغة وتحديات كبيرة بالنسبة للسوق والناشطين فيها.

في عام 2017، قفزت أسعار بيتكوين لما يقارب 1000 مرة ثم هبطت. رغم ذلك، شهدت هذه السوق نمواً ملحوظاً في الأعوام التالية واستمرت على نفس الوتيرة في عام 2021. لكن إحدى خصائص أسواق مثل سوق الأسهم هي أنه في حال ظهور فقاعة سعرية ناجمة عن الفارق بين القيمة الأساسية والقيمة الاسمية (القيمة السوقية) تنكمش هذه الفقاعة تدريجياً وتسير السوق بناء على القيمة الأساسية.

ورغم أنه في كلتا السوقين تتأثر الأسعار بأحداث كالحرب والمجاعة وما شابه ذلك، لكن على المدى البعيد يبقى مؤشر القيمة قريباً من القيمة الأساسية. لذلك، فإن السؤال الذي يبرز بشأن مستقبل العملات المشفّرة، هو: ما قيمتها الأسياسية؟

خلافاً لأسواق الأوراق المالية التي ترتبط فيها قيمة الأسهم بأصول أساسية، فإن سوق العملات المشفّرة التي لا يتحمل فيها المؤسس لكل عملة مشفرة مسؤولية تجاهها، تتأثر بجميع عوامل عدم الاستقرار دائماً. فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى التأثير الكبير لتغريدات إيلون ماسك على قيمة البيتكوين وغيرها من العملات المشفّرة.

أحد التحديات الأخرى التي تواجهها سوق العملات الصعبة هو تغلب سلوك الجماعة عليها والذي يحدث بسبب عدم امتلاك المعلومات الكافية عن السوق وطبيعة ما يتم تداوله. يؤدي هذا السلوك إلى انفعالات واضطرابات من بين أسبابها الرئيسة الفومو أو الخوف من فوات الشيء. يظهر الفومو عندما يرى الناس زيادة كبيرة في قيمة العملات المشفّرة ويريدون شراءها عندما تزداد القيمة، لكن لا يلتفتون إلى الطبيعة المتقلبة للسوق.

الحل لإدارة مثل هذه التحيزات السلوكية والمساعدة في مواجهة تحديات المترتبة عليها، هو تدريب الناس على المشاركة في مثل هذه الأسواق. يعد توفير معلومات حقيقية ومفيدة حول طبيعة سوق العملات المشفّرة وكيفية اختيار الإستراتيجية، بدلاً من توفير معلومات سوداء أو بيضاء حول هذه الأسواق، منفعة عامة يمكن أن تكون على جدول أعمال أي اقتصاد كلي.

تعد التحديات الأمنية والاحتيال والتزوير أيضاً مشاكل في سوق العملات المشفّرة (مثل أي سوق أخرى). وبالنظر للجاذبية والربحية المحتملة فمن المناسب – بدلاً من التشويه – اعتماد التدريب على حماية رأس المال وبالطبع إنشاء البنية التحتية المناسبة للحفاظ على الأمن في الفضاء السيبراني.

بالطبع، لا ينبغي أن يكون هذا الأمن بمعنى قمع أو منع الأشخاص النشطين، ولكن الانتباه إلى بروتوكولات بلوك تشين وراء كل عملة مشفّرة وإمكانية وجود ثغرة أو حدوث خطأ تقني حول العملات المشفّرة واتخاذ الإجراءات المناسبة، للحيلولة دون احتمال حدوث خسائر فادحة.