انخرطت الحكومتان الصينية والروسية في تعاون سياسي واقتصادي مكثف في السنوات الأخيرة. لدى البلدين مصالح مشتركة في آسيا الوسطى في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، ويتزايد التقارب السياسي بينهما على الصعيد الدولي. من ناحية أخرى، تشير وثائق الأمن القومي الأمريكية إلى كلا البلدين على أنهما يمثلان تهديداً. إن وثيقة الأمن القومي الأمريكية المؤقتة وصفت الصين بأنها تهديد لمكانة الولايات المتحدة العالمية وروسيا كتهديد للنظام الدولي. وقد أدى ذلك إلى توصّل الصين وروسيا إلى بعض التفاهم المشترك بشأن الحاجة إلى التعاون.

عندما تحدثت الولايات المتحدة والدول الغربية عن احتمال غزو روسي لأوكرانيا، ذهب الرئيس الروسي إلى الصين والتقى بالرئيس بحجة إقامة أولمبياد بكين الشتوية. منذ ذلك الحين، ساد الإعتقاد بأن روسيا قد فتحت حساباً خاصاً للمساعدات الاقتصادية الصينية في قضية أوكرانيا. مع الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبرایر 2022، أصبحت الحكومة الصينية في وضع ينبغي لها اتخاذ موقف. أجرى الرئيس الروسي مقابلة تلفزيونية مع نظيره الصيني. خلال المحادثة، صرح الرئيس الصيني أنه يتفهم مخاوف روسيا الأمنية من جانب الناتو والغرب. تم تفسير موقف الصين على أنه إضفاء الشرعية على عمل روسيا.

مع التجاوب المتماسك والمتكامل من الدول الغربية على روسيا، وفرض عقوبات صارمة على موسكو، أصبح موقف الصين تدريجياً أكثر اعتدالاً وغموضاً. صوّتت الصين ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مواقف لاحقة أكدت من ناحية دعمها للحفاظ على وحدة أراضي الدول ومعارضتها للحرب، ومن ناحية أخرى أدانت وسائل العقوبات الغربية ضد روسيا وتوسع الناتو باتجاه الشرق. وهكذا، فإن الحكومة الصينية لم تدعم صراحة الغزو الروسي لأوكرانيا ولم تدين صراحة الغزو الروسي لأوكرانيا. لفهم سبب مواقف الصين الغامضة وغير المنحازة ، يجب الانتباه إلى بعض النقاط المهمة:

أولاً، تدرك الصين جيداً حقيقة أن إضعاف روسيا أو هزيمة بوتين له عواقب استراتيجية على هذه الدولة. هذا يعني أنه في غياب روسيا، ستصبح الصين القوة العالمية الكبرى الوحيدة في بؤرة تركيز الولايات المتحدة، وستكون الولايات المتحدة قادرة على التركيز على الصين بسهولة أكبر؛ وقد يؤدي إضعاف روسيا أيضاً إلى تشكيل مصادر انعدام الأمن في آسيا الوسطى، تكون لها عواقب وخيمة على الصين.

ثانياً، يقيّم الاستراتيجيون الصينيون أنه كلما زاد تورط الولايات المتحدة في أجزاء أخرى من العالم، قل احتمال تركيزها على الصين وقضايا شرق آسيا، وأن هذا يشبه شراء الوقت للصين لتنمو أكثر. من هذا المنظور، إذا تمكنت الولايات المتحدة من التعامل مع مواجهة استنزافية في مناطق مثل أوروبا الشرقية أو الشرق الأوسط، فسوف تتضاءل حرية عمل واشنطن في شرق آسيا. لهذا قد يكون الصينيون راغبين في مساعدة روسيا حتى تتمكن موسكو من أن تجعل الولايات المتحدة أكثر تورطاً في شرق آسيا.

ثالثاً، في الوضع الحالي، يمثل الاقتصاد الأولوية الأولى للصين ولا تريد أن يتضرر اقتصادها في المواجهة بين روسيا والغرب. من ناحية أخرى، عندما نظرت الصين في حجم العقوبات المفروضة على روسيا في أقصر وقت ممكن، أصبحت قلقة من العواقب السلبية لتلک العقوبات على اقتصادها ومبادراتها التجارية. لذلك، إذا شجع السببان المسبقان الصين على مساعدة روسيا في الحرب ضد أوكرانيا، فإن السبب الأخير سيؤدي إلى حذر الصين وضبطها للنفس في اقترابها المكشوف والعاري من روسيا.

النقطة الرابعة هي درس الحرب الأوكرانية حول قضية تايوان. من المرجح أن المسؤولون الصينيون ينظرون في هذه النقطة بأن نجاح روسيا في السيطرة على أجزاء من أوكرانيا سيسمح للصين بضم تايوان إلى أراضيها ذات يوم باللجوء إلى الخيار العسكري إذا لزم الأمر. لكن رد الفعل الحاد القائم على العقوبات الغربية ضد روسيا أثار قلق المسؤولين الصينيين. وهذا يعني أنهم أيضاً قد يواجهون عقوبات غربية إذا حاولوا الهيمنة على تايوان من خلال هجوم عسكري. في السياسة الدولية، هناك مفهوم يسمى التَّقبُّل الاجتماعي والتعلم، مما يعني أن الحكومات تتعلم من سلوك ومصير الحكومات الأخرى وتحاول ألا تكرر سلوك الحكومات التي كلفتها الكثير من أجلها. ربما أرسل الغرب، بفرضه عقوبات صارمة على روسيا، رسالة إلى بكين مفادها أن السلوك المماثل من جانب الصين ضد تايوان له مثل هذه العواقب. لذلك، في النهاية، ينبغي القول إن موقف “لا دعم ولا معارضة” للصين تجاه حرب روسيا ضد أوكرانيا يرجع إلى حقيقة أن هذه الدولة من ناحية لديها بعض الدوافع القوية لدعم روسيا وانتصار موسكو على الغرب، ومن ناحية أخرى  فهي قلقة من النتائج السلبية للعقوبات الروسية وتكرارها على نفسها.