ظروف إجراء الانتخاب

 

تعد نسبة المشاركة القصوى للمواطنين في الانتخابات السورية، والتي أدت أيضاً إلى تمديد الانتخابات لمدة خمس ساعات، “نقطة مميزة” للانتخابات الرئاسية في هذا البلد، والتي لا ينبغي الاستهانة بها. حدث هذا الأمر في الوقت الذي تواجه فيه سوريا أكبر قدر من العقبات والتحديات، وفي الأشهر والأسابيع الأخيرة، وصلت المحاولات التخريبية والجهود الدعائية والحرب النفسية للجبهة الغربية ـ العربية إلى ذروتها، لتقليص مستوى المشاركة الشعبية في هذه الانتخابات.

 

خلافاً لانتخابات 2014 التي سيطرت فيها الجماعات التكفيرية والمعارضة على معظم مناطق سوريا، أجريت هذه الانتخابات في جميع المناطق والمدن بأقصى قدر من الترحيب، باستثناء إدلب وأجزاء من شرق الفرات الخارجة عن سيطرة الحكومة. ومن إجمالي 18 مليونا و107 آلاف ناخب مؤهل، شارك فيها 14 مليون 239 ألف شخص أي ما نسبته 78٪. واستطاع بشار الأسد الحصول على 13 مليوناً و 540 ألفاً و 360 صوتاً من إجمالي عدد الأصوات.

 

بالإضافة إلى بشار الأسد، فقد شارك في الانتخابات عبد الله سلوم عبد الله، وهو شخصية حكومية ذات خلفية في الحكومة، ومحمود أحمد مرعي، المعارض البارز والأمين العام لجبهة سوريا الديمقراطية، وقد حصلا على التوالي نسبة 1.5٪ من الأصوات، أي 213 ألف صوت، و 3٪ من الأصوات، أي 401 ألف صوت.

 

أقصى مستوى من المشاركة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الصعبة

 

جاءت المشاركة القصوى للمواطنين في الانتخابات الرئاسية السورية في ظروفٍ اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية سائدة في سوريا، لو كانت حصلت في غيرها من الدول، فإن إمكانية إجراء الانتخابات في ذلك البلد ستكون مصحوبة بالعديد من الصعوبات، ناهيك عن مشاركة عدد كبير من الناس فيها.

 

فقد شارك نحو 78 في المائة من السوريين في الانتخابات الرئاسية وسط عقوبات اقتصادية قاسية، خاصة في السنوات الأخيرة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على الخصوص في ظل عقوبات قانون قيصر المعقد، وكذلك إجراءات الحكومة التركية المناهضة لسوريا. فكل هذه العراقيل خلقت ظروفاً صعبة للغاية لإقناع الناس بالمشاركة في الانتخابات. وقد كان من الممكن أن تشكل مناطق شرق الفرات والمناطق الكردية وضعاً معقداً في مواجهة الانتخابات، نفس المناطق التي أصبحت قواعد رئيسية لوجود الدول الأجنبية والمعارضة والجماعات المسلحة.

 

في حين تكثفت جهود الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وبعض دول المنطقة لتعطيل وعرقلة عملية الانتخابات، والتخطيط لمقاطعة الانتخابات التي رافقتها حرب نفسية مكثفة منذ أسابيع، وشنّ حرب إعلامية شرسة ضد بشار الأسد، واقتراح سيناريوهات مثل إجراء انتخابات منفصلة في شرق الفرات وإدلب، أو عرقلة الأمور في بعض المناطق، بما في ذلك القنيطرة ودرعا والسويداء، بإصدار منشورات ليلية واعلانات والتشاور مع زعماء القبائل والعشائر بعدم المشاركة في الانتخابات، وسيناريوهات أخرى مختلفة كمثل ما مرّ ذكرها، على الرغم من أنها خلقت ظروفاً صعبة للانتخابات الرئاسية، لكن مع حكمة حكومة بشار الأسد ودعم بعض الدول الصديقة مثل إيران وروسيا والصين، لم تستطع أي من هذه الخطط منع إجراء هذه الانتخابات المهمة في سوريا.

 

الأبعاد الاستراتيجية لإنتخاب بشار الأسد

 

يعتبر انتخاب بشار الأسد بنسبة 95.1٪ من الأصوات، رغم الظروف المذكورة أعلاه، هو الجانب الاستراتيجي الأهم للانتخابات الرئاسية في سوريا. فلقد أظهر الشعب السوري، الذي يرى عائلة الأسد منذ عام 1964 بأنها رمزاً لـ “قوة الشعب السوري ونبله وشرفه “، في الانتخابات الأخيرة أن هذا الاعتقاد متجذر في المجتمع السوري، رغم الجهود المكثفة لتشويه صورة عائلة الأسد.

 

ينبغي اعتبار انتصار بشار الأسد الحاسم في الانتخابات انعكاساً للإنجازات الميدانية والعسكرية في الميدان الانتخابي، وأن يُترجم بأنه اصطفاف الشعب وتقاربه إلى جانب القيادة السياسية في سوريا. الزعيم الذي، على الرغم من كل المؤامرات والاجراءات الميدانية العنيفة والمؤامرات المعقدة من جانب الجبهة الغربية ـ العربية، يتمتع بـ “الشرعية والقبول” بين شعبه لدرجة أن أكثر من 95٪ من المشاركين في الانتخابات يحضرون ليوكِلوا شؤونهم إليه لمدة 7 سنوات أخرى. بطبيعة الحال، يجب ذكر ذلك باعتباره ورقة ذهبية في النظام السياسي السوري.

 

إن إعادة انتخاب بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية لدولة كانت منذ 7 سنوات مرتعاً لأكثر الجماعات الإرهابية تعطشاً للدماء، حتى وصلت إلى حد تشكيل أكثر الحكومات إرهاباً في تاريخ البشرية، تظهر أهمية هذه النقطة الاستراتيجية بأن سوريا مرت بأزمات صعبة، واستعادت وظيفتها الطبيعية.

 

حضور 78٪ من الشعب في الانتخابات وانتخاب بشار الأسد بنسبة 95٪ من الأصوات لا يعني إلا أن شرعية النظام السياسي ومقبوليته في سوريا لا تتحدد بمعايير وخصائص الدول الغربية والولايات المتحدة بل تتحدد من قبل «تصويت الشعب» في سوريا. ولإثبات وفهم الأهمية الاستراتيجية لقرار الشعب السوري في انتخاب بشار الأسد، لا بد من الإشارة بدقة إلى ما ذكره المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة «ستيفن دوجاريك»، في مؤتمره الصحفي، حيث قال: «لمناقشة القرار السوري، سمعنا إعلان الإنتخابات الرئاسية بسوريا في 26 مايو. أجريت هذه الانتخابات في إطار الدستور السوري الحالي وليست جزءاً من العملية السياسية المنصوص عليها في القرار 2254. نحن لسنا طرفاً مشاركاً في هذه الانتخابات وليس لدينا سلطة أو شرعية للتدخل في هذا البلد».

 

إضافة إلى ذلك، كان لمشاركة الشعب في الانتخابات، كما تم وصفه، بعداً استراتيجياً آخر، وهو نقل رسالة القوة والثقة بالنفس والاعتماد على الهياكل والترتيبات الداخلية لتجاوز الأزمات القائمة، للمنطقة والمجتمع الدولي.

 

 

تداعيات انتخاب بشار الأسد

 

يترتب على إعادة انتخاب السيد بشار الأسد نتائج مهمة جداً، ومن أهمها ما يلي:

  • تعتبر الموافقة على سياسات بشار الأسد وتوجهاته وخططه بمختلف أبعادها في الداخل والخارج، أهم نتائج إعادة انتخاب بشار الأسد لرئاسة الجمهورية.
  • استمرار الاستقرار في سوريا واستمرار تفوق النظام السياسي الحالي على الساحتين السياسية والميدانية.
  • فشل كل المخططات الخارجية الهادفة إلى إسقاط النظام السياسي السوري وإبادة العروبة بهذا البلد.
  • فشل الدبلوماسية الأمريكية التي سعت طوال سبع سنوات إلى الإطاحة بالأسد من الرئاسة عبر منظمة الأمم المتحدة ومن خلال مسار جنيف السياسي.
  • إعادة إضفاء الشرعية على الدستور والنظام السياسي والهياكل والمؤسسات الحكومية، والتي كان القضاء عليها أحد الأهداف الإستراتيجية للدول المعادية والجهات الفاعلة في سوريا منذ 10 سنوات.
  • تسريع عودة سوريا لتمثيل دورها في المشهد الإقليمي مع دورها السياسي الخاص وشبكاتها الاقتصادية وموقعها الجيوسياسي.
  • الإسراع بانفتاح باب علاقات الدول الغربية والعربية على دمشق خلال الأشهر المقبلة.
  • سبع سنوات أخرى من الفرص لجذب الجماعات المعارضة للنظام السوري.
  • تعزيز خطاب المقاومة في المنطقة ومساعدة بعض أعضاء هذه الجبهة على الخروج من المأزق القائم بما في ذلك المأزق السياسي في لبنان.

 

النقطة الأخيرة

يجب النظر إلى المشاركة القصوى التي قام بها الشعب السوري في الانتخابات وإعادة انتخاب السيد بشار الأسد رئيساً للبلاد برؤية كلية، واعتبارها تماشياً مع النجاحات المتواصلة لجبهة المقاومة الإسلامية في اليمن وفلسطين وسوريا التي تعزز دوماً موازين القوى في المنطقة لصالح المقاومة الإسلامية. لا شك أن استمرار هذا الاتجاه سيقدم آفاقاً واضحة جداً للأشهر والسنوات القادمة أمام جبهة المقاومة التي هي فريدة من نوعها وغير مسبوقة.