وصرح حميد شهرابي مدير مركز أبحاث امريكا اللاتينية في حوار مع موقع المجلس الاستراتيجي  للعلاقات الخارجية بأن التطورات الجارية في كوبا سيكون لها تأثیر كبير في توطيد جذور الثورة و استمراريتها ، موضحاً : إن أبرز مظهر وأهم  نمط لظهور التغييرات السياسية في كوبا جرّاء انعقاد المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الكوبي هو انتهاء حضور راؤول كاسترو في السلطة و انتخاب دياز كونل رئيس الجمهورية الجديد [ ٦١ عاما] و اختياره سكرتيراً أولاً للحزب الشيوعي الكوبي.

و اعتبر هذه الخطوة منعطفاً مهماً في مسيرة انتقال السلطة الى جيل جديد ، مشيرا الى الدور المهم الذي يتمتع به الحزب الشيوعي في كوبا و الناتج عن العلاقة الوثيقة مع جماهیر الشعب،  و الدور المركزي  لهذا الحزب في إدارة الشؤون العامة للدولة ، قائلاً : إن الرئيس  الكوبي الجديد كان عمره عند انتصار الثورة الكوبية ٤ أشهر فقط، و رئيس الوزراء الحالي ولد بعد اربع سنوات من انتصارها .

و استطرد شهرابي :

إن هذه التغييرات لم تحدث بطريقة طارئة او عشوائية ، بل تم التخطيط لها قبل فترة طويلة وحتى قبل مرض فيدل كاسترو بأعوام طويلة .

و أضاف هذا المحلل الخبير في شؤون امريكا اللاتينية: في السنوات الأخيرة التي كان فيها فيدل كاسترو ما يزال في السلطة  فإنه كان يقضي معظم وقته مع ثلة من الشباب ، و يتشاور و يتعاون معهم في إدارة الدولة ،عن كثب . و استمر هذا المنهج بعد مجيء راؤول كاسترو ،لفترة طويلة، ثم قرروا أنه لا يمكن لشخص أن يستمر في إشغال منصب رفيع في الحزب الشيوعي لأكثر من دورتين ، وأن من يفوق عمره الستين عاما لم يعد بإمكانه اكتساب عضوية اللجنة المركزية للحزب.

 

  ■الانتقال الهادئ للسلطة في كوبا:

و صرح السيد شهرابي ان الشعب الكوبي كان له دور في عملية انتقال السلطة ، و هو مطّلع على كيفية حصول ذلك ،قائلاً ً : إن الإنتقال الهادئ للسلطة في كوبا حصل بشكل سلس و يمكنه أن يكون تجربة جيدة و قدوة لباقي البلدان ، إذ أن هذا الإنتقال السلمي لم يقترن بصراع او نزاع فئوي ، بل تم بشكل هادئ تماماً و مخطط له.

و اوضح أن انتقال السلطة  لم يكن بمعنى إزاحة الجيل السابق و إقالته و بقائه متفرجاً على الهامش ، بل بقي السكرتير الثاني للحزب من جيل فيدل كاسترو نفسه ، و ظل العديد من الاشخاص يشغلون مناصبهم العليا ، و في القيادة العليا في الحزب الشيوعي نجد أنه بقي ثمة ٨ أعضاء من الجيل السابق من أصل ١٧ عضواً ، أي أنهم سيبقون لفترة محددة من الزمن في طاقم القيادة لكي ينقلوا تجاربهم الى جيل الشباب، لكنهم لا يمارسون العمل في السلطة بشكل صوري و ظاهري ومصطنع ، بل يعملون على تفويض السلطة تدريجيا – و في الساحة العملية و الميدانية – الى الجيل الجديد.

 

التغييرات تستتبع ثلاثة عناوين [الإتحاد، المقاومة ،الإستمرارية]

 

و أشار المحلل السياسي المختص في شؤون أمريكا اللاتينية الى التحليلات المنشورة حول استمرار الوضع القائم في كوبا أو التغيير المهم الجاري لديها، في وسائل الإعلام الغربية المعروفة ، قائلاً : من وجهة نظر اولئك ؛ فإن التغيير يعني (بالضرورة) أن الوضع الجديد سيكون في مواجهة و في مقابل الوضع القائم حالياً ، بينما نجد -في الأساس-أن شعار  الحزب الشيوعي الكوبي هو أن التغييرات التي تحصل تأتي تبعاً لثلاثة أمور [ الإتحاد، المقاومة ، الإستمرارية ]، يمكن تقبّلها .

و أكد شهرابي أنه بالنسبة ل(صيانة الإستمرارية ) فقد ورد التأكيد عليها خلال خطابات قيادات كوبا باعتبارها الصيغة الراسخة والفكرة السائدة في المؤتمر الأخير للحزب ، باعتبارها تؤدي الى صيانة المبادئ الأساسية للثورة الكوبية ؛الأصول المتضمنة للسيادة الوطنية،  و تحقيق الإشتراكية اعتماداً على تحقق مصالح الشعب و حفظ منجزات الثورة  في مجالات الصحة و العلاج ،و التعليم و كذلك استمرار سيطرة الدولة على المجالات الاستراتيجية الاقتصادية و كذلك التجهيز الأصلي لعمليات الإنتاج.

و وصف شهرابي الأشخاص الذي جاءوا الى سدة الحكم حاليا بأنهم من تلاميذ فيدل و راؤول كاسترو و ممن تربوا على يديهما و في ظل افكار الجيل السابق، و اعتبر أن من الخطأ القول بأن الذين تسنموا السلطة حاليا ينوون تغيير نسيج الحكم و منهجه الدولة و إدارة الأمة الكوبية.

و أوضح أنه على المستوى المحلي يتم التأكيد على مبدأ رفع مستوى الإنتاج الداخلي و إفساح المجال للقطاع الخاص للكفاح الاقتصادي  الذي يمارسه ، ما زال ذلك يحظى بالإهتمام، مضيفاً : لقد تم البحث في ثمار هذه التحولات و التطور في المجال الإقتصادي، أثناء أعمال المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي،  و أكد كاسترو على اهمية اجتناب الإجراءات المستعجلة و غير المدروسة في هذا المجال، لكن لا ينبغي التراجع عن مبدأ و أصل  التحولات الاقتصادية. و أعتبر أن الإشكاليات و النواقص الموجودة مردّها الى فقدان التخطيط الجيد و الاشراف و المتابعة المركزية ،و أن مسؤولية هذا القصور تقع بشكل مباشر على عاتق القيادة و على رأسها هو شخصياً.

و استطرد هذا الخبير المختص بشؤون أمريكا اللاتينية  بأن أفق الأوضاع في كوبا يُظهر لنا بأن المنهج الثوري سيستمر، و اضاف : إن الحزب الشيوعي يواصل خطاه الوطنية لكي يكون هذا التغيير مقترناً بمشاركة واسعة النطاق من الشعب نفسه و صيانة الوحدة الراسخة بين صفوفه  لأنه من أجل استمرار الثورة و صيانتها هناك حاجة ماسة لهذه المشاركة الشعبية العريضة.

 

الثبات في السياسة الخارجية الكوبية:

 

و تحدث شهرابي حول ملامح السياسة الخارجية الكوبية مع تبلور التغيبرات الأخيرة قائلاً : لعل من باب الصدفة أن القسم الأكبر من خطاب راؤول كاسترو في المؤتمر الأخير كان يركز على هذه القضية و هذاالمجال ، حيث استعرض فيه لمحة تاريخية من العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية،  مؤكداً بأنه منذ البداية كانت الرؤية الأمريكية ترتكز على الأطماع في السيطرة و الاستحواذ على كوبا و بعد انتصار الثورة كان هدف امريكا و ما يزال يتلخص في عبارة (الإطاحة بالحكومة المنبثقة عن إرادة الشعب الكوبي ).

و أضاف شهرابي: إن سياسة الإطاحة و زرع عدم الإستقرار بقيت مستمرة في ألبيت الأبيض على الرغم من تعاقب و تبدل الرؤساء الأمريكيين ،و مع ذلك فإن كوبا سعت و مع المحافظة على الإحترام المتبادل و صون حقوق الشعب الكوبي و عدم التراجع او التنازل عن مبادئ الثورة، حاولنا الاستمرار في محادثاتنا المباشرة مع أمريكا و المحافظة على مصالحنا الوطنية.

و اعتبر هذاالخبير في شؤون أمريكا اللاتينية:أن الجيل الجديد من الحكام في كوبا  يؤمن بأن أمريكا و بدلاً من أن تقوم بخطوات عدائية ينبغي عليها أن تدرك و تذعن بأن الثورة الكوبية قد قامت و استمرت رغم معارضة الولايات المتحدة الأمريكية، و القيادة الكوبية الجديدة تحاول -و ضمن تمسكها و محافظتها على أصول الثورة- إقامة علاقات أفضل مع الإدارة الأمريكية الجديدة، مؤكدين بأنهم لن يتنازلوا عن أصول الثورة و إنجازاتها و لن يغضوا الطرف عنها بأي حال من الأحوال.

و اختتم مدير مركز أبحاث أمريكا اللاتينية تصريحه بالقول : إن السياسات الإشتراكية لكوبا في مجال دعم حركات التحرر و إسناد نضال الشعوب المظلومة ضد أمريكا ، مثل إيران ،سوف تستمر ،و لايتصور أي تغيير على هذا الصعيد، أي أننا سنشهد – في الواقع – استمرار النهج الحالي و الأسلوب المتبع في السياسة الخارجية الكوبية.