جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
جنوب القوقاز؛ جبهة جديدة في منافسات الناتو وروسيا

تنامي مستوى العلاقات بين جمهورية أذربيجان والناتو؛ تجاوز التعاون الرمزي
صرّح عباس عزيزي في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية قائلاً: “ينبغي اعتبار التطورات الأخيرة في باكو واللقاء الذي جمع إلهام علييف مع ممثلي خمس عشرة دولة من أعضاء الناتو أكثر من مجرد حدث رمزي ودبلوماسي، لأنه يُعد مؤشراً على انطلاق مرحلة جديدة في الارتباط العسكري والأمني لجمهورية أذربيجان مع الهيكل الغربي المتمثل في الناتو.” وأوضح قائلاً: “لقد بدأت جمهورية أذربيجان تعاونها التعليمي والدفاعي مع الناتو منذ عام 1994 في إطار برنامج الشراكة من أجل السلام، إلا أن هذا التعاون قد ارتقى اليوم من المستوى التعليمي إلى المستوى العملي والتنفيذي؛ وهو مستوى يشمل تحديث الجيش، وتوحيد المعايير في المعدات الدفاعية، وخلق ارتباط مباشر مع البنية الاستخباراتية لحلف الناتو.”
وأضاف محلل شؤون القوقاز: “في الوقت الذي وصلت فيه الحرب الأوكرانية إلى مرحلة الاستنزاف، يسعى الناتو إلى البحث عن جبهات جديدة لممارسة الضغط على روسيا، ويُعد جنوب القوقاز، لا سيما جمهورية أذربيجان، أفضل بيئة مناسبة لتحقيق هذا الهدف. ويمثل هذا التعاون عملياً فتح طريق جديد لنفوذ الناتو من الجناح الجنوبي لروسيا، وهي منطقة لم يكن للغرب سابقاً نفوذ ملموس فيها.”
وأوضح قائلاً: “من منظور الناتو، فإن جمهورية أذربيجان لا تتمتع بأهمية جغرافية فحسب، بل تحتل أيضاً موقعاً استراتيجياً من حيث موارد الطاقة ومسارات نقل النفط والغاز. وبالتالي، فإن التعاون مع باكو يُعد بمثابة الوصول غير المباشر إلى بحر قزوين والسيطرة على حلقة من حلقات السلاسل الأمنية المحيطة بروسيا.” وشدد على أن “اللقاء الأخير لعلييف مع ممثلي الناتو لم يكن بهدف تطبيع العلاقات، بل جاء بمشاركة ممثلين من الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا ودول أوروبا الشرقية ليشكل عرضاً للتقارب الجيوسياسي بين باكو والناتو في إطار أهداف عسكرية وطاقوية متزامنة.”
من “ممر ترامب” إلى “ممر الناتو”؛ جنوب القوقاز على أعتاب تغيير في موازين القوى
وقال عزيزي في جزء آخر من حواره: “إن الاتفاق الذي تم توقيعه في شهر أغسطس/آب من هذا العام بين نيكول باشينيان رئيس الوزراء الأرميني وإلهام علييف رئيس جمهورية أذربيجان في واشنطن، وبحضور دونالد ترامب، لم يكن مجرد تفاهم اقتصادي، بل في الواقع جزء من الاستراتيجية الكبرى للغرب بهدف إيجاد اتصال جغرافي وعسكري بين تركيا وجمهورية أذربيجان عبر الأراضي الأرمينية.” وأضاف: “لقد أطلقت وسائل الإعلام الغربية على هذا الاتفاق اسم “ممر ترامب”، لكنه يتجه اليوم نحو التحول إلى ما يسمى “ممر الناتو”. ومع تفعيله عملياً، سيتم فتح طريق بري يربط البنية الدفاعية للناتو في تركيا بالحدود الشمالية لمنطقة القوقاز.”
وأوضح المحلل: “إن مثل هذا التطور ستكون له تبعات جيوسياسية واسعة على المنطقة، فالحضور العسكري واللوجستي للناتو في جنوب القوقاز يعني فتح جبهة جديدة ضد روسيا. وفي الوقت الذي تنشغل فيه موسكو بشكل مكثف في ساحة المعركة الأوكرانية، يعمل الناتو من خلال تركيزه على القوقاز على تهديد حدود روسيا الجنوبية بصورة مباشرة.” وتابع: “من منظور استراتيجي، يعتبر جنوب القوقاز آخر حزام عازل لروسيا في مواجهة النفوذ الغربي، إلا أن هذا الحزام يشهد اليوم تصدعاً. ومن خلال التعاون مع جمهورية أذربيجان وعبر تنسيق وثيق مع تركيا، يسعى الناتو ليس فقط إلى إيجاد حضور عسكري غير مباشر في المنطقة، بل أيضاً إلى السيطرة على تدفقات طاقة بحر قزوين وفتح مسارات بديلة لنقل الغاز إلى أوروبا.”
وأشار عزيزي إلى أن: “جمهورية أذربيجان وبعد حصولها على دعم سياسي وعسكري من الغرب، تسعى إلى تثبيت دورها كقوة مهيمنة في جنوب القوقاز. وهي ترى نفسها الآن حليفاً في الخط الأمامي للناتو، وتعمل عبر الاستثمارات الغربية في قطاعي الطاقة والدفاع على أن تتحول إلى مركز ثقل جديد في معادلة المنطقة.”
وأكد قائلاً: “إذا استمر هذا المسار دون رد إقليمي فعّال، فسوف يُعاد تشكيل هيكل الأمن التقليدي في جنوب القوقاز، وسيتمكن الناتو من تأسيس قاعدة نفوذ جيوسياسي خلف خطوط روسيا دون الحاجة إلى نشر قواته مباشرةً، وهو ما سيضع موسكو أمام مأزق استراتيجي جديد.”
القوقاز على أعتاب تحول جيوسياسي؛ تحذير لروسيا
وأوضح الخبير في شؤون القوقاز قائلاً: “إن المؤشرات الراهنة تدل على أن الناتو يسعى إلى استخدام جنوب القوقاز منصةً لتوسيع نفوذه غير المباشر. فهو لا يعتمد على الانتشار العسكري الصريح، بل يستخدم أدوات ناعمة مثل التدريب العسكري، وإصلاح بنية الدفاع، ونقل التكنولوجيا، والمناورات المشتركة.”
وأضاف موضحاً: “إن هذه التطورات مقلقة بالنسبة لروسيا، إذ إن وجود الناتو في جنوب القوقاز يعني فقدان موسكو نطاقها الأمني التقليدي في الجنوب. وفي واقع الأمر، يتبع الناتو إستراتيجية تهدف إلى محاصرة روسيا تدريجياً من ثلاث جهات: من الغرب عبر جبهة أوكرانيا، ومن الشمال عبر بحر البلطيق، ومن الجنوب عبر منطقة القوقاز.”
وتابع عزيزي: “في ظل هذا الوضع، أدى انشغال روسيا في حرب استنزافية في أوكرانيا إلى نوع من الغفلة عن جناحها الجنوبي، وهو ما شكّل الفرصة التي كان الناتو ينتظرها ليرسخ موطئ قدم ثابت له في القوقاز، في الوقت الذي ينصب فيه اهتمام روسيا على الجبهة الشرقية الأوكرانية”.
وأوضح الخبير في شؤون القوقاز: “يبدو أن الغرب، عبر الضغوط العسكرية والاقتصادية على روسيا وفي الوقت نفسه تقديم الدعم غير المباشر لباكو، يعمل على إنشاء منطقة نفوذ جديدة على مقربة من الحدود الروسية، وهو مسار قد يترتب عليه تداعيات خطيرة على مستقبل الأمن في أوراسيا.”
وفي ختام حواره قال: “تُظهر التطورات الأخيرة أن جنوب القوقاز يقف على أعتاب تحول جيوسياسي يمكنه أن يغير جذرياً موازين القوى التقليدية في المجال المحيط بروسيا. وبالنسبة لموسكو، فإن تجاهل هذه التطورات يعني القبول بحضور تدريجي للناتو على مقربة من بواباتها الجنوبية.”
0 تعليق