جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
التطورات الفلسطينية؛ فرصة لإعادة تعريف دور إيران في غرب آسيا

انهيار النظام القديم في غزة وتغيّر هندسة القوة
قال الدكتور هادي برهاني في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: “بينما يقف قطاع غزة بعد عامين من الحرب المدمّرة على أعتاب مرحلة غامضة من إعادة الإعمار السياسي والاجتماعي، فإن التحركات الدبلوماسية في القاهرة وأنقرة والدوحة تشكّل مؤشراً على بداية فصل جديد في الصراع الفلسطيني. ومع ذلك، يبدو أن القوى الإقليمية والدولية لم تتوصل بعد إلى موقف موحد بشأن مستقبل غزة. وفي مثل هذه الظروف، لا تشكل التطورات الأخيرة اختباراً لمستقبل فلسطين فحسب، بل تمثل أيضاً فرصة لتحديد المكانة الحقيقية لإيران في المعادلات الجديدة لغرب آسيا”.
وأضاف: “إن أزمة غزة الراهنة هي في الحقيقة مرحلة من عملية تفكك مراكز القوة؛ وهو مفهوم طُرح لأول مرة في تقرير صادر عن مركز ستيمسون الأمريكي. وشرح قائلاً: “إن الحرب الأخيرة لم تدمّر فقط البنية التحتية المادية لغزة، بل غيّرت أيضاً البنى التقليدية للقوة بين الفصائل الفلسطينية. فغزة اليوم تواجه مجموعة من الفاعلين المحليين، بدءاً من حماس والجهاد الإسلامي وصولاً إلى السلطة الفلسطينية والفصائل الأصغر حجماً، وكل واحد منها يسعى للحفاظ على نفوذه في مرحلة ما بعد الحرب”.
وأكد برهاني: “على خلاف الدعاية الغربية والعربية والعبرية، حماس لم تصاب بالوهن، بل أصبحت فاعلًا لا غنى عنه في النظام المستقبلي لغزة. فجميع الأطراف، حتى مصر وتركيا، أدركت أن أي خطة لن يكتب لها الاستمرار من دون حضور حماس وموافقتها. ما يُصمَّم في واشنطن أو تل أبيب يقوم على إقصاء المقاومة، لكن الواقع الميداني يقول شيئاً آخر. فحماس اليوم ليست مجرد فصيل عسكري، بل رمز لإرادة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال”. وأضاف: “وفي سياق المساعي لتشكيل لجنة لإدارة قطاع غزة، أعلنت حركة حماس مؤخراً تقديم قائمة تضم خمسة وأربعين شخصية مستقلة إلى مصر، وهي قائمة أُعدّت بتوافق الفصائل الفلسطينية، ما يعني استمرار حضور حماس ودورها بعد الحرب”.
نظرة المنطقة إلى مستقبل فلسطين؛ من التنافس إلى التقارب الحذر
وأوضح برهاني: “إن التطورات الجديدة في غزة أدت إلى إعادة تعريف مقاربة دول المنطقة تجاه القضية الفلسطينية. ففي السابق، كان معظم الدول العربية والإسلامية يتحدثون فقط من موقع التعاطف مع الفلسطينيين؛ لكن اليوم أصبحت غزة ملفاً أمنياً وجيوسياسياً. فتركيا ومصر وقطر وحتى السعودية، كل منها تسعى لأداء دور الوسيط أو اللاعب المؤثر في مستقبل غزة السياسي”. وأضاف: “المثير للاهتمام أن العديد من دول المنطقة توصّلت إلى قناعة بأن إقصاء حماس كلياً ليس ممكناً ولا مرغوباً. وحتى في الاجتماعات الأخيرة في القاهرة وإسطنبول، ورغم الخلافات السياسية، جرى التوافق على مبدأ الحفاظ على البنية المحلية لإدارة غزة. وهذا يعني عودة تدريجية إلى الواقعية في التعامل مع المقاومة”.
وأشار برهاني إلى دور الكيان الإسرائيلي ومحاولته تقويض مسار وقف إطلاق النار، وقال: “الكيان الصهيوني يدرك أن استمرار الاستقرار في غزة، وخاصة بوجود القوى الشعبية واللجان المحلية، سيضع شرعيته في موضع تساؤل أكبر. ولذلك، فهو يسعى عبر الهجمات المحدودة والانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار إلى خنق أي نظام جديد قبل أن يتبلور. وهذا هو النموذج نفسه الذي جُرّب سابقاً في لبنان”.
وأكد قائلاً: “إن موقف الدول الإسلامية حاسم في هذا السياق. فإذا تمكن المحور الإسلامي، بما يشمل إيران وتركيا وقطر وغيرها، من التوصل إلى صيغة مشتركة لدعم الهيكلية الفلسطينية الجديدة، فسيُجبر الكيان الإسرائيلي وحلفاؤه الغربيون على التراجع. أما إذا غاب هذا التنسيق، فإن واشنطن ستسعى مجدداً لإحياء نسخة من الخطة المعروفة بـصفقة القرن”.
المستقبل الاستراتيجي لإيران وترسيخ محور المقاومة
كما وصف برهاني دور إيران في المعادلات الإقليمية الجديدة بأنه “محوري ولا بديل عنه”، وشرح: “لقد أثبتت إيران خلال السنوات الأخيرة، وحتى بعد تجربة الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً، أنها ليست فقط داعمة للمقاومة، وإنما تستطيع أيضاً المساهمة في إدارة الأزمات الإقليمية عبر المسارات السياسية. فإيران من خلال دعمها الذكي للفصائل الفلسطينية، استطاعت من جهة تعطيل المعادلات الأمنية للكيان الإسرائيلي، ومن جهة أخرى تعزيز الشرعية الدولية للمقاومة”.
وأضاف: “إن الاستراتيجية الإيرانية في مرحلة ما بعد حرب غزة، خلافاً للدعاية الغربية، لم تستند إلى تصعيد المواجهة، بل إلى ترسيخ توازن الردع. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر دبلوماسية نشطة مع دول مثل تركيا وقطر ومصر، تسعى لتحويل المقاومة من بنية عسكرية بحتة إلى شبكة سياسية واجتماعية ذات قاعدة شعبية”. وأشار برهاني إلى أهمية التحول في الرأي العام الإقليمي قائلاً: “إن صور قتل المدنيين في غزة كشفت الوجه الحقيقي للكيان الإسرائيلي في العالم العربي. حتى الجيل الجديد في الدول العربية، الذي كان يميل سابقاً إلى التطبيع، بات يعارض هذا الاتجاه. وهذا يعني أن القوة الناعمة للمقاومة في طور إعادة البناء، وعلى إيران أن تستثمر هذا الرصيد الاجتماعي بأفضل شكل”.
وأكد: “يمكن لطهران أن تتبع ثلاثة مسارات متوازية: ترسيخ الدبلوماسية الإقليمية مع محور الدول الإسلامية والتأكيد على إنهاء الاحتلال؛ تعزيز قدرات إعادة إعمار غزة عبر التعاون الإنساني والاقتصادي؛ والاستمرار في دعم المقاومة سياسياً ومعنوياً باعتبارها رمزاً للعدالة في العالم الإسلامي”.
وفي الختام، قال بنظرة مستقبلية: “إن التطورات اليوم في فلسطين تشكل فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور إيران في غرب آسيا. ما بدأ في ساحة التطورات الجديدة في غزة بات اليوم اختباراً لجميع دول المنطقة: فإما أن يقفوا إلى جانب الشعوب، وإما أن يبتعدوا تحت ضغط واشنطن عن هويتهم الإسلامية والإنسانية. أما إيران فهي اللاعب الوحيد الذي وقف منذ البداية وحتى اليوم بثبات ووضوح إلى جانب المقاومة، وهذا الثبات هو سر قوتها ومكانتها في المنطقة”.
0 تعليق