جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
سياسة ترامب في فنزويلا؛ الاحتواء وزعزعة الاستقرار

صرّح هادي أعلمي فريمان في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية قائلاً: “بينما دخلت إدارة دونالد ترامب الثانية الساحة الدولية تحت شعار استعادة “القوة الأمريكية”، تُظهر المؤشرات أنّ أحد محاور تركيز سياسته الخارجية هو أمريكا اللاتينية، وخاصة بلدان مثل فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا”. وأضاف هذا الأستاذ الجامعي: “ما نشهده اليوم تجاه فنزويلا هو إعادة بناء لنموذج الضغط المتعدد الأوجه نفسه الذي استُخدم سابقاً ضد إيران”.
وأوضح الخبير في شؤون أمريكا اللاتينية قائلاً: “يُعدّ ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي من أصول لاتينية، المهندس الرئيسي لهذه السياسة. فهو مُلِم بالبنى السياسية والاجتماعية لدول أمريكا اللاتينية، ويصوغ استراتيجية هدفها النهائي احتواء الحكومات المستقلة وغير المنسجمة مع واشنطن في النصف الغربي من الكرة الأرضية”. وتابع قائلاً: “إنّ سياسات ترامب ضد كراكاس تشبه إلى حدٍّ كبير سياساته المعادية لإيران، بدءاً من فرض العقوبات المتصاعدة والحرب النفسية، وصولاً إلى محاولات زعزعة الاستقرار عبر دعم المعارضة والضغط الإعلامي”.
ويرى أعلمي فريمان أنّ “ترامب، كما فعل في ولايته الأولى عندما انسحب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات أحادية قاسية على إيران متبعاً سياسة “أقصى الضغوط”، يسلك اليوم المسار نفسه حيال فنزويلا ولكن بغطاءٍ مختلف. ففي الحالتين، يتمحور جوهر السياسة الأمريكية حول “إرغام” الحكومات المستقلة على الخضوع لإرادة واشنطن، من دون أي التزام بمنطق القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة”. وأضاف أستاذ العلاقات الدولية: “تحاول واشنطن، من خلال دمج الأدوات الاقتصادية والاستخباراتية والسيبرانية، إحكام الطوق على كراكاس. وتشمل هذه الضغوط قطاعات النفط والغاز، فضلاً عن المجالات المالية والدوائية وحتى المساعدات الإنسانية”. وبحسب قوله: “يسعى ترامب إلى جعل فنزويلا نموذجاً للانهيار الاقتصادي، حتى لا تسلك بقية الدول المستقلة في المنطقة، مثل بوليفيا وكوبا ونيكاراغوا، المسار ذاته”.
وقال: “ماركو روبيو يستخدم نفوذه في الكونغرس ووسائل الإعلام الناطقة بالإسبانية لتبرير سياسات واشنطن تحت غطاء “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، بينما الهدف الحقيقي هو ضمان السيطرة الأمريكية على الثروات النفطية الهائلة والذهب والعناصر النادرة في فنزويلا”. وأضاف: “كلما شعرت واشنطن بأنّ مصالحها في الطاقة أو الجغرافيا الاقتصادية مهددة، تتذرع بخطاب الحرية والديمقراطية لتبرير التدخل. وفنزويلا اليوم تؤدي في أمريكا اللاتينية الدور ذاته الذي تؤديه إيران في غرب آسيا؛ فهي رمز المقاومة في مواجهة النظام ال1ي تريده الولايات المتحدة “.
فنزويلا في مسار المقاومة الذكية؛ الرهان على دبلوماسية الجنوب – الجنوب
وتابع الأستاذ الجامعي قائلاً: “في مواجهة هذه الضغوط المتعددة، يتّبع نيكولاس مادورو وحكومته استراتيجية تقوم على “المقاومة الذكية”. وأوضح أعلمي فريمان: “مادورو، مستفيداً من تجارب دولٍ مثل إيران وكوبا وروسيا، يسعى إلى فصل اقتصاد فنزويلا عن الدولار والنظام المالي الغربي، وإيجاد مسارٍ للبقاء والتنمية عبر التعاون مع القوى الصاعدة”.
وأضاف: “في الأشهر الأخيرة، وسّعت كراكاس تعاونها مع الصين وروسيا ودول مجموعة بريكس، وتسعى عبر الاتفاقات المالية الثنائية واستخدام العملات المحلية إلى تجاوز العقوبات المصرفية الأمريكية. وفي هذا السياق، أعلنت فنزويلا مؤخراً سعيها للانضمام رسمياً إلى آلية الدفع التابعة لـ “بريكس باي” لتقليل اعتمادها على نظام سويفت والشبكات المالية الأمريكية”. وأوضح أعلمي فريمان أنّ “تعاون فنزويلا مع القوى غير الغربية لا يُعد وسيلة للمقاومة الاقتصادية فحسب، بل يمكن أن يؤسس أيضاً لبنية نظام اقتصادي جديد في أمريكا اللاتينية. فإذا تمكنت فنزويلا من توسيع تجارب ناجحة مثل مقايضة الطاقة بالسلع، والتبادل بالعملات الوطنية، والاستثمارات المشتركة مع الصين وروسيا، فسيُفرغ نظام العقوبات الأمريكي تدريجياً من فعاليته”.
وأضاف محلل شؤون أمريكا اللاتينية: “إنّ واشنطن قلقة بشدة من هذا المسار؛ لأنّ توسيع التعاون الاقتصادي بين كراكاس وهافانا وبكين يعني تراجع نفوذ الولايات المتحدة في “الحديقة الخلفية التقليدية” لها. ولهذا السبب، كلّفت وزارة الخارجية بقيادة ماركو روبيو في الولاية الثانية لترامب باستخدام الأدوات السياسية والإعلامية وحتى السيبرانية للحيلولة دون تآزر هذه الدول”.
واستخلص أعلمي فريمان: “إنّ المواجهة الحالية بين فنزويلا والولايات المتحدة لم تعد نزاعاً ثنائياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من صراعٍ أوسع بين النظام الأمريكي القديم والنظام المتعدد الأقطاب الناشئ”. وأكد: “يحاول مادورو في هذه اللعبة المعقدة الاستفادة من تجربة دولٍ مثل إيران، والتحوّل من مرحلة “العقوبات” إلى مرحلة “المقاومة البنّاءة”. واختتم أستاذ العلاقات الدولية الحوار قائلاً: “إنّ مستقبل فنزويلا مرهونٌ بقدرتها على الربط بين سياسة المقاومة والدبلوماسية الاقتصادية في إطار تعاون الجنوب – الجنوب؛ وهو مسار إذا أُدير بذكاء، يمكن أن يُدخل فنزويلا، بل وأمريكا اللاتينية بأسرها، مرحلةً جديدة من الاستقلال السياسي والاقتصادي”.
0 تعليق