تكشف مشاركة قادة هذه الدول الأربع عن أن جميعها ترغب في تطوير العلاقات مع الناتو، وقد وضعت الدول الأوروبية الاهتمام بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في أجندة مهام الناتو. فإذا نظرنا إلى الوراء، لا نجد ذكراً للصين على الإطلاق في وثيقة المفهوم الاستراتيجي للناتو لعام 2010 بعنوان “المشاركة النشطة والدفاع الحديث”؛ ومع ذلك، فقد تغير تصور الناتو لتهديد الصين وبالتالي منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

تبلور أهم مظاهر هذا التغيير في التصور في بيان قمة الناتو في عام 2021، حيث تمت الإشارة إلى أن نفوذ الصين المتنامي يمكن أن يخلق تحديات يجب على الناتو أن يضعها على جدول أعماله. وفقاً لهذا البيان، فإن أهداف الصين المعلنة وسلوكها الجريء يمثلان تحدياً منهجياً للنظام الدولي القائم على القواعد. بالإضافة إلى ذلك، فإن “رؤية الناتو 2030″، التي وافق عليها الأعضاء في يوليو 2021 و تم إدراج الصين وروسيا فيها كدولتين تضعفان هذا النظام، تتعامل أيضاً مع مسألة أن صعود الصين سيغير ميزان القوى بشكل جذري.

وقد ورد نفس الموضوع في المفهوم الإستراتيجي لحلف الناتو، والذي تمت الموافقة عليه يوم الأربعاء 29 يونيو 2022. وفقاً للوثيقة الجديدة، فإن أهداف الصين وطموحاتها المعلنة تتحدى مصالح وأمن وقيم الأعضاء. كما تم وصف تعميق الشراكة الإستراتيجية بين بكين وموسكو كعامل في إضعاف النظام الدولي القائم على القواعد. وتكرر الأمر ذاته في بيان اجتماع مدريد. يُظهر هذا التركيز بوضوح تغيير الموقف في حلف شمال الأطلسي تجاه جمهورية الصين الشعبية.

في الوقت نفسه، من أجل فهم نهج الناتو تجاه منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لا يمكن تجاهل الإجراءات والسياسات الفردية أو الثنائية أو متعددة الأطراف للدول الأوروبية من خلال التعاون مع الولايات المتحدة أو التعاون مع الدول الإقليمية. في غضون ذلك، تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية جهة لعبت دوراً جاداً في توجيه الدول الأوروبية لتبني نهج أكثر صرامة ضد الصين ووجودها المتزايد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. في وثيقة إستراتيجية المحيطين الهندي والهادئ للبيت الأبيض، والتي نُشرت في فبراير 2022، بينما أشير إلى اهتمام حلفاء وشركاء الولايات المتحدة خارج منطقة آسيا والمحيط الهادئ بهذه المنطقة، زُعم أن الولايات المتحدة تسعى إلى ربط منطقة المحيطين الهندي – الهادئ ومنطقة اليورو – الأطلسي مع مناطق أخرى من خلال جداول الأعمال المشتركة التي ستكون أيضاً الدافع والسبب للعمل الجماعي. إن دعوة السيناتور الجمهوري الأمريكي بن ​​ساسي إلى تأسيس “الناتو الباسيفيكي” مهمة في هذا الصدد.

ومع ذلك، من الضروري أيضاً الإشارة إلى أنه على الرغم من أن بعض الدول الأوروبية قد أعربت سابقاً عن قلقها بشأن صعود الصين، إلا أن الحرب في أوكرانيا خلقت أرضية لتنسيق أكبر بين الولايات المتحدة وأوروبا؛ بمعنى آخر، لن يقتصر التنسيق بين الطرفين على القضايا الأوروبية. بالإضافة إلى ذلك، أدت الحرب في أوكرانيا إلى زيادة المخاوف بين الدول المنافسة للصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ؛ لأنها أججت نوعاً من الشعور بانعدام الأمن في هذه البلدان.

من ناحية أخرى، فإن بكين، إذ تعرب عن قلقها إزاء هذه التطورات، تعتبرها توسعاً للحلف العسكري إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وادعى وانغ فان بين، المتحدث باسم وزارة خارجية الصين، أن الناتو قد تسبب بالفعل في زعزعة الاستقرار في أوروبا وبالتالي، لا ينبغي أن يواصل نفس السلوك في منطقة آسيا والمحيط الهادئ والعالم بأسره. يوضح هذا التعليق بشكل جيد تصور الصين للتطورات الحالية.

بشكل عام، تظهر هذه التطورات أن الديناميات الأمنية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ قد تغيرت بشكل ملحوظ مقارنة بالماضي. تأكيد الولايات المتحدة وحلفائها على آلية الحوار الأمني ​​الرباعي المعروفة باسم كواد، وإنشاء أوكوس، ومبادرة “شركاء في المحيط الأزرق” المكونة من الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا واليابان والمملكة المتحدة، أو جهود بكين لدفع مبادرة “رؤية التنمية المشتركة” إلى الأمام من أجل تطوير العلاقات مع جزر المحيط الهادئ، إلى جانب توسيع التنافسات والأنشطة العسكرية، تظهر جيداً التغيّرات التي حصلت. في الوقت نفسه، كنقطة أخيرة، يمكن القول إن تعاون الشركاء خارج منطقة آسيا والمحيط الهادئ مع السياسات الأمريكية في هذه المنطقة يمكن اعتباره نجاحاً كبيراً للسياسة الخارجية لإدارة بايدن.