في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، أشار محسن روحي صفت إلى الأعمال الإرهابية الأخيرة على طول خط ديورند وزيادة التحركات العسكرية للجيش الباكستاني، مصرحاً: “التوترات على طول ديورند هي في الحقيقة خلافات حدودية وجيوسياسية بين أفغانستان وباكستان ولا ترتبط كثيراً بالحكومتين الحاليتين في البلدين. هذه الخلافات قديمة جداً وورثتها الحكومات في البلدين جيلاً عن جيل”.

 

الأسباب التاريخية للتوترات حول ديورند

وإذ قال إن جذور هذه التوترات تعود لفترة حكم بريطانيا على الهند التي كانت باكستان جزءاً منها وشهدت تلك الحقبة كذلك خلافات بين الهند والحكومة الأفغانية، لفت إلى المواجهات بين حكام أفغانستان والجيش البريطاني مضيفاً: “في نهاية المطاف، حاولت بريطانيا من خلال النفوذ داخل الحكومة الأفغانية تحديد خط حدودي بين أفغانستان والهند البريطانية عُرف بخط ديورند. رغم ذلك رفض البرلمان الأفغاني هذه المبادرة. البشتون الذين يعيشون على جانبي هذا الخط رفضوا تقسيم الأراضي؛ فبقي هذا الخط مجرد حبر على ورق ولم يؤد إلى أي فصل فعلي”.

وأضاف محلل الشؤون الدولية: ” منذ عهد الاستعمار البريطاني كانت تُعرف هذه المنطقة بالأرض الحرة وكان سكانها في قتال دائم مع الحكومة المركزية. بعد تشكيل الحكومة الباكستانية كذلك، لم يرضخ سكان المنطقة للانقياد للحكومة المركزية وبعد فترة طويلة من المواجهات والمفاوضات قبلوا بأن لا تطبق القوانين الباكستانية  في هذه المنطقة وأن لا يرفع العلم الباكستاني فيها، مقابل أن تكون الطرق المعبدة فيها خاضعة لسيادة الحكومة الباكستانية”.

وذكر روحي صفت: “زعمت حكومة كابول دائماً أن الناس البشتون على جانبي ديورند جزء من الشعب الأفغاني وأن العاصمة الشتوية لأفغانستان كانت في بيشاور. وهو ادعاء صحيح”.

ولفت الخبير في الشؤون الدولية إلى استمرار التوترات بشأن ديورند في الحقب التاريخية المختلفة، موضحاً: “عندما وصل المجاهدون للسلطة في أفغانستان، كانت الحكومة الباكستانية تتوقع أن تعترف حكومة المجاهدين بهذا الخط وأن تضع حداً لهذا النزاع الحدودي رداً على الدعم الذي وفرته باكستان للمجاهدين على مدار 10 سنوات في مواجه احتلال الجيش الأحمر. غير أن هذا الموضوع هو بمثابة قضية شرف للشعب الأفغاني ولذلك لم تقبل به حتى الحكومات التي كانت على صلة وثيقة بباكستان”.

 

موقف طالبان تجاه منطقة ديورند

وقال: “كانت باكستان مستاءة جداً من هذا الأمر وحاولت الإتيان بطالبان للحكم في أفغانستان بصفتها حكومة ستعترف بهذا الخط؛ إلا أن ملا عمر رفض ذلك علماً منه بأن هذا القرار لن يحظى بدعم الشعب. بقي هذا الجرح القديم مفتوحاً بين البلدين حتى الآن ما تسبب في انعدام ثقة حكومة كابول في إسلام آباد”.

وتطرق روحي صفت إلى رغبة باكستان في الرقابة على تنقل عناصر تحريك طالبان باكستان إلى أفغانستان، مضيفاً: “منذ حوالي ثلاث سنوات، قامت باكستان ودون حضور الطرف الأفغاني بوضع سياج حدودي على نقاط تعرف بأنها تمثل خط ديورند. الأمر الذي جوبه باحتجاج أفغاني وحتى اليوم يواصل جنود طالبان الاحتجاج على ذلك. بل وقد اندلعت اشتباكات في بعض المناطق وقامت طالبان بهدم أجزاء من السياج الحدودي على طول خط ديورند”.

واعتبر التنافس على موارد المياه في المنطقة من القضايا التي زادت من التوترات، قائلاً: “خلال السنوات الماضية لم يتم تشييد أي سد على الأنهار التي تتجه نحو باكستان وفي حال بقاء أفغانستان في حالة الحرب وعدم الاستقرار، فسوف لن تتوفر فرصة لتنفيذ مثل هذه المشاريع التنموية”.

ولفت الدبلوماسي الإيراني السابق إلى احتجاجات البدو الرحل في أفغانستان وباكستان على إنشاء هذا السياج، مضيفاً: “تواجدت الجماعات المتطرفة في المناطق الحرة خلال أربعين عاماً الماضية ولا توجد رقابة عليها من قبل الحكومات المركزية. في الحقيقة، تتمتع هذه الجماعات في تلك المناطق بأماكن آمنة وبعيدة عن متناول اليد توفر لها أرضية مؤاتية لنشاطاتها”.

وأكد روحي صفت على أن إدارة التوترات في هذه المنطقة في الوقت الحالي ذات أبعاد دولية وإقليمية ومحلية، مصرحاً: “هناك خلافات حدودية لباكستان مع الهند وعليه تسعى إسلام آباد إلى الاحتفاظ بأفغانستان كعمق إستراتيجي أمام الهند. وفي هذا السياق، ترغب في التمتع بنفوذ قوي في حكومة كابول لكي لا تتجه كابول نحو التواطؤ مع الهند ضد إسلام آباد”.

ورأى الخبير في الشؤون الدولية أن احلال السلام بين الهند وباكستان أمر ذو أهمية بالنسبة للعلاقات الباكستانية – الأفغانية، مضيفاً: “يبدو أن التنافس الإقليمي والخلافات بين البلدان الثلاث ستستمر. ورغم أن وصول طالبان للسلطة ساهم في خفض مستوى التوتر وانعدام الثقة بين أفغانستان وباكستان، لكن ليس من المتوقع أن يؤدي ذلك لإنهاء الخلاف في هذا الملف نهائياً؛ لأن المشاعر القومية بين البشتون تحول دون تعامل طالبان مع باكستان في هذا المجال بأريحية واطمئنان”.

واختتم مؤكداً: “ليس بمقدور طالبان أن تتعامل مع باكستان بما يتعارض مع المشاعر القومية في بيئتها الحاضنة. لذلك، فإن زيادة تحركات الجيش الباكستاني واستياء طالبان أمور  ينبغي على الطرفين إدارتها تفادياً لتفجر التوترات بينهما”.