في عام 2001، نشرت لجنة القانون الدولي مشروع قانون مسؤولية الحكومات عن الانتهاكات الدولية، والذي يستند إلى حقيقة أن أي تجاوز دولي لحكومة ما يلقي على عاتق تلك الدولة مسؤوليتها الدولية. يمكن أن تكون هذه الجرائم نتيجة فعل أو امتناع عن فعل يُعزى إلى تلك الحكومة باعتباره انتهاكاً للالتزامات الدولية.

للأسف في الوقت الحالي لا نرى إجماعاً في رأي القانونيين الدوليين بشأن اغتيال القائد سليماني، والسبب في ذلك يعود إلى هذه النقطة بأن وجهة نظرهم مبنية على تقارير إعلامية.

يُظهر المسار السائد أن القانون الدولي في الوقت الراهن أصبح مثيراً للقلق بحيث أنه بدل أن يقود المجتمع الدولي إلى طريق حل حاسم، أصبح مرتبكاً بشأن قضايا واضحة. من المسائل المهمة أنه إذا لم يتمكن القانونيون الدوليون، حتى كأفراد، من التوصل إلى توافق في الآراء بشأن شرعية اغتيال شخصية عسكرية بارزة لدولة أخرى ليست في حالة حرب معها، ولا سيما في أراضي دولة محايدة، أو اعتباره انتهاكاً، فمن الصعب فهم كيفية تفسير قاعدة عدم استخدام القوة باعتبارها حجر الأساس في ميثاق الأمم المتحدة بشكل خاص والقانون الدولي بشكل عام.

 

العواقب الوخيمة للتفسير بالرأي

إن ما تمكنت الولايات المتحدة من فعله لدى القانونيين الدوليين من خلال إنتاج الخطاب والدعاية هو تجنب استخدام كلمة “اغتيال” لهذه الشخصية البارزة واللامثيل لها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. حاولت الولايات المتحدة تمرير التفسير القائل بأن القائد سليماني كان هدفاً عسكرياً مشروعاً لأنه حسب مزاعم هذا الكيان، كان يريد شن ما يسمى بهجمات وشيكة على دبلوماسيين وعسكريين أمريكيين ؟! يسمى هذا التفسير بالدفاع المبادر عن النفس، أي صد الهجمات التي لم تبدأ بعد.

طغى هذا التفسير على الرؤى الأخرى بينما خبراء القانون الدولي يعتقدون أن القانون الدولي لا يسمح لأي شخص باستخدام القوة للرد على خطة للهجوم في المستقبل، ولم تقبل أي محكمة أو جهة قضائية دولية مثل هذه النظرية أو الحجة.

في غضون ذلك، صرحت أغنيس كالامارد، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات القتل خارج نطاق القانون، في تقريرها لمجلس حقوق الإنسان إن مسار الولايات المتحدة في العملية كان خارج نطاق القانون ويتعارض مع القانون الدولي.

من وجهة نظر خبراء القانون الإيرانيين ما حدث هو إرهاب الدولة بأتم وجه. هذا العنوان الجنائي، بالطبع، ليس له حتى الآن وثيقة دولية، ولسوء الحظ الاتفاقيات المتعلقة بالإرهاب، بما في ذلك اتفاقية منع الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية والمعاقبة عليها التي تشمل الدبلوماسيين، أو الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية والتفخيخ، لم تحدد حتى الآن الدولة في تعريفها وترتكز على الأشخاص الطبيعيين والمجموعات غير الحكومية.

في مواجهة الحيل القانونية مثل الدفاع المبادر عن النفس، هناك بالتأكيد حاجة إلى إيجاد إجماع عالمي وإنشاء المصطلحات القانونية المناسبة المقبولة من المجتمع الدولي حتى لا نقع في الأنظمة القانونية التعسفية أحادية الجانب حسب رغبة  القوى العالمية .

 

إجراء الولايات المتحدة ضد السلم والأمن الدوليين

الآن، بالنظر إلى هذا التاريخ ونمط العمل وخطر تدمير الهياكل القانونية في العلاقات الدولية، و بالنظر إلى الهيكل الحالي للأمم المتحدة ومجلس الأمن، يجب أن نرى هل يمكن اعتبار الإجراء الأمريكي مصداقاً لانتهاك السلام والأمن الدوليين؟

وفقاً لشهادة العدو والصديق، فإن الشهيد القائد سليماني لعب دوراً رئيسياً في إرساء الأمن والاستقرار في غرب آسيا. هذا القائد الشجاع والكاريزمي خدم أيضاً لسنوات عديدة لضمان الأمن والمصالح الوطنية للبلاد، وفي حفل وداع الأمة مع هذا القائد، رأينا كيف أشاد به شعب إيران وحتى المنطقة.

هل يستطيع العالم أن ينسى دور القائد سليماني في محاربة داعش وجبهة النصرة والجماعات الإرهابية المختلفة في العراق وسوريا والمناطق الأخرى؟ لولا دراية هذا القائد العظيم، ألم يكن الإرهابيون، الذين احتلوا عواصم مهمة في غرب آسيا، قد أغرقوا هذه الأراضي واحدة تلو الأخرى بأعلامهم السوداء في أعماق الظلام؟

كل ما حاولت الولايات المتحدة إبرازه في هذين العامين التاليين للاغتيال هو تحويل توازن القوى في المنطقة لصالحها ولصالح وكلائها. ما هي الأخطار التي سببتها وسوف تسببها هذه الإجراءات على غرب آسيا والعالم؟

كان لاغتيال أحد أكثر الشخصيات العسكرية تأثيراً في منطقة غرب آسيا، تداعيات لافتة ومعقدة على المنطقة بأكملها. الأول تصاعد العداء في العلاقات القائمة بين أمريكا وإيران والدول الأخرى في المنطقة. كانت سياسة الضغوط القصوى الأمريكية ضد إيران تهدف إلى تركيع بلادنا وكان هذا الاغتيال في نفس الاتجاه.

لا أحد في المنطقة يسلم من أضرار عواقب عداء الولايات المتحدة لإيران إذا أدى الأمر إلى صراع مسلح. لذلك، عرّضت الولايات المتحدة المنطقة بأكملها للخطر بشكل معلن من خلال هذا الإجراء. أظهر رد إيران الحاسم على اغتيال القائد سليماني في الهجوم على قاعدة عين الأسد أن إيران ليس لديها أدنى مجاملة مع أي قوة في  حفاظها على أمنها واقتدارها الوطني.

في حين أن مجموعات المقاومة في المنطقة تستوحي رؤيتها من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقائمة على العقلانية وإرساء الاستقرار في المنطقة لصالح شعوب غرب آسيا وتتبع نهج سياسة المقاومة هذه، فقد سعت الولايات المتحدة إلى تغيير توازن القوى في المنطقة لصالح الجماعات التابعة لها من خلال استهداف شخصية مؤثرة على الاستقرار والأمن الإقليميين إلى جانب تحفيز قوى المقاومة.

ما عهدناه من السياسات والإجراءات الأمريكية طلية هذه السنوات، لم يكن سوى دعم صعود الحكومات العميلة أو الجماعات الإرهابية إلى السلطة والتي كان عملها وخطتها تدمير المنطقة. ويكفي أن ننظر إلى مثال الحرب العدوانية على اليمن التي عرقلت الأمن والاستقرار في المنطقة. في موضوع الحرب الأهلية في سوريا، من هي الحكومات التي قدمت الدعم المالي والاستخباراتي واللوجستي للإرهابيين؟

 

انعدام الأمن في غرب آسيا

كان الوضع الذي أوجده هذا الاغتيال محاولة لخلق مزيد من الفوضى وانعدام الأمن في منطقة غرب آسيا. كما ذكرنا، ورأينا أمثلة كثيرة منه، إذا تخلت إيران عن فكرة دعم المقاومة في المنطقة أو تركت الوضع الأمني ​​في المنطقة على حاله، فإن ما سيحدث هو متابعة الكيان الصهيوني للأعمال الإرهابية، ورعاية الجماعات الإرهابية كالقاعدة وداعش وتنميتها من قبل الغرب بدعم من بعض الحكومات العربية وتصاعد الحرب وإراقة الدماء في أقدم منطقة في العالم.

أعادت الولايات المتحدة مجال السياسة المتحضرة القائمة على القانون والمساواة إلى زمن الحرب الصعبة. ألم يحن الوقت لأن تقوم المؤسسات الدولية، بما فيها مجلس الأمن، أن تتدخل وتعالج هذه الأعمال التي تنتهك السلم والأمن الدوليين، وفقا لميثاق الأمم المتحدة؟

بالطبع، لن يحقق دخول هذه المؤسسات أي نتيجة، لأن الهيكل غير العقلاني لهذه المؤسسات لا يزال قائماً على ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تم إنشاؤها من خلال منح امتيازات خاصة لدول مثل الولايات المتحدة ولا تتناسب مع ظروف وتحديات العالم في الوقت الراهن.