بدأ هذا التحول الاستراتيجي منذ فترة رئاسة باراك أوباما واستمر وتعزز حتى يومنا هذا. تشمل استراتيجية أمريكا في هذا العقد أبعاداً أمنية وسياسية وعسكرية مختلفة. ومع ذلك، في العقد الماضي، حققت أمريكا بعض النجاح في بعض المجالات، وفي بعض الحالات، فشلت استراتيجيتها. يعد الاتفاق الأخير بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا (AUKUS) أحدث خطوة أمريكية لإعطاء الأولوية الاستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

في المجال الاقتصادي، كانت أهم مبادرة لإدارة أوباما هي الانضمام إلى اتفاقية الشراكة عبر الأطلسي (TPP). انضمت أمريكا إلى المفاوضات بشأن هذا النظام الاقتصادي في عام 2009 ووقعته أخيراً في فبراير 2016. لكن صعود دونالد ترامب إلى السلطة بشعار “أمريكا أولاً” أدى إلى انسحاب واشنطن من هذه المبادرة.

لكن في نفس الوقت، أكدت أمريكا في هذه الفترة على التعاون الاقتصادي الثنائي، ونتيجة للضغط التجاري على بكين، اندلعت حرب تجارية بين البلدين وهي لازالت مستمرة.

أعلنت مجموعة السبعة في يونيو 2021 مبادرة “بناء عالم أفضل”، والتي تعارض مبادرة “الحزام والطريق” الصينية وتسعى للمساعدة في تقليص فجوة البنية التحتية في البلدان النامية، وتشمل أيضاً الجهود التي تقودها أمريكا لجلب الحلفاء والشركاء في الجانب الاقتصادي.

وتستند هذه المبادرة بدورها إلى مبادرة شبكة النقاط الزرقاء (Blue Dot Network) التي انطلقت في عام 2019 بين أمريكا وأستراليا واليابان كآلية للموافقة على مشاريع البنية التحتية بناءً على معايير دولية محددة.

في المجال الدبلوماسي أيضاً، بذلت أمريكا جهوداً للانحياز إلى دول المنطقة كأولوية قصوى في سياستها الخارجية.

كانت أهم مبادرة دبلوماسية لهذا البلد هي محاولة إحياء “الحوار الأمني ​​الرباعي” المعروف باسم “كواد Quad” (والذي يشمل أمريكا واليابان وأستراليا والهند) في عام 2017، والذي يهدف إلى التنسيق بين الأعضاء حول مختلف القضايا.

وعقد الاجتماع الأول لقادة المجموعة بشكل افتراضي في شهر مارس، وعقد الاجتماع الثاني للقادة حضورياً في أواخر سبتمبر في واشنطن. وعلى الرغم من أن الصين لم يأت ذكرها في البيان المنشور بعد القمة، إلا أن التأكيد على “الهند والمحيط الهادئ الحر المفتوح” والقضايا التي طرحت على هامش البيان، تشير إلى أن الصين تقع في محور أهدافها.

لكن توقيع معاهدة أوكوس بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا، والتي تعني تزويد أستراليا بغواصات نووية، يوضح عزم أمريكا على الانضمام إلى الحلفاء والعمل على منع حدوث تحول في التوازن العسكري لصالح الصين في المنطقة. لهذه المعاهدة بُعد عسكري قوي، وتم توقيعها مع حليف قديم لأمريكا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ رافق أمريكا في جميع حروبها. تحتاج واشنطن إلى تعويض تحدي بعد المسافة عن المناطق الحساسة في آسيا والمحيط الهادئ من خلال تعزيز القدرات العسكرية لحلفائها الإقليميين.

يمثل ميثاق أوكوس الدخول في مرحلة جديدة في التطور العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويشير إلى احتمال دخول أستراليا في صراعات مستقبلية محتملة بين أمريكا والصين. على الرغم من أن أستراليا سعت في السابق إلى الحفاظ على مظلة أمريكا الأمنية والاستفادة القصوى من علاقاتها الاقتصادية مع الصين، و من المحتمل، أن التوترات الأخيرة بين كانبيرا وبكين دفعت المسؤولين الأستراليين إلى تفضيل مظلة أمريكا الأمنية.

إن امتلاك غواصات نووية يسمح لأستراليا بالتواجد في المناطق النائية. قد يعني هذا حضوراً أكبر إلى جانب أمريكا في بحر الصين الجنوبي أو في سياق دعم تايوان. أستراليا الآن هي الدولة الأولى غير النووية التي ستمتلك غواصات نووية، قد يكون هذا رد فعل أيضاً على معلومات الاستخبارات البحرية الأمريكية التي تفيد بأن الصين ستضيف ست غواصات نووية إلى معداتها البحرية بحلول عام 2030.

في الختام ينبغي القول، بأن ميثاق أوكوس يعني تعزيز التعاون العسكري بين أمريكا وحلفائها، وهو ما تم التأكيد عليه أيضاً في وثيقة الهند والمحيط الهادئ لعام 2019. على الرغم من أن المعاهدة لا تعني بالضرورة تحولاً جاداً في موازنة القوى الإقليمية أو مواجهة عسكرية بين أمريكا وحلفائها مع الصين، لكن سيكون تصعيد الخصومات والتوترات من نتائجها المحتملة.