ورغم أن نتائج الإنتخابات ستظهر كالعادة بسرعة لکن من الممکن أن تطول المفاوضات لتشکیل الحکومة لشهور طویلة في حال تشکیل ائتلاف و مما یظهر من إستطلاعات الرأي هو أنه لم یتمکن أي حزب بمفرده من الفوز بأغلبیة مطلقة خلال هذه الفترة. ربما يمكن اعتبار ظهور حزب الیمین المتطرف لألمانیا و صعود شعبیة حزب الخضر و تنامي حزب الدیمقراطیین الأحرار، هي التطورات الحزبیة الثلاثة في السیاسة الالمانیة خلال السنوات الأخیرة،  وکل ذلک جعل الأمور أکثر صعوبة بالنسبة للحزبین السیاسیین الرئیسیین في هذا البلد أي الاتحاد المسيحي الديمقراطي (CDU) و الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD).

وتمثلت نقطة ذو أهمیة في استطلاعات الرأي في التنامي المفاجئ في شعبیة الحزب الإشتراکي الدیمقراطي SPD خلال الأشهر الأخیرة، مما أوصل الحزب ذو إتجاه اليسار الوسطي إلی أعلی جدول الأحزاب في المانیا بنحو 25 بالمئة ، بهامش ضیق. أمر یرجع جزءاً منه إلی زعامة الحزب أي أولاف شولتز الذي تمکن جذب الکثیر من الإهتمام الإیجابي، مقارنة بمنافسیه، خاصة و أنه کان ناجحاً للغایة في مناظراته. ویشغل شولتز حالیاً منصب نائب میرکل والوزیر المالي في الحکومة الحالیة. یعتبر الحزب الإشتراکي الدیمقراطي من الأحزاب القدیمة في المانیا ویعود تاریخه إلی جمهوریة فایمار و قد اشتهر طوال حیاته بشخصیات معروفة مثل فردریش إیبرت، و ویلي برانت و غرهارد شرودر. منذ عام 2013، کان الحزب شریکاً لحکومة میرکل الإئتلافیة حتی الآن. و لأولاف شولتز حظ أوفر لنیل منصب مستشار المانیا.

وحسب استطلاعات الرأي، احتل مرشح الإتحاد المسیحي الدیمقراطي، أرمین لاشیت المرکز الثاني، بینما احتلت مرشحة حزب الخضر، أنالينا بيربوک المرکز التالي. جدیر بالذکر أن شعبیة لاشیت تضررت إلی حد ما بعد قصة ضحکه أمام عدسات الکامیرات أثناء حادثة الفیضانات و الجزء الکبیر من تراجع شعبیة هذا الحزب الکبیر یرجع إلی سمات شخصیة مرشحه. وعلی الرغم أن حزب الخضر ایضاً حصل فی فترة قصیرة علی شعبیة کبیرة في استطلاعات الرأي، لکنه احتل الآن المرکز الثالث. رغم ذلک، إذا نقارن درجة شعبیة هذا الحزب المؤید للبیئة بالجولة السابقة في عام 2017 ، فهو یعد واحد من الفائزین في هذه المنافسة. و علی الأرجح، سیکون له دور في الحکومة المستقبلیة کشریک أصغر. من جهة اخری ایضاً، فإن التواجد المحتمل لحزب الخضر في الإئتلاف سیؤدي إلی تعزیز هذا التیار في الدول الأخری من بینها فرنسا التي ستهشد الإنتخابات الرئاسیة خلال العام المقبل. یرکز حزب الخضر علی موضوعات مثل التغییرات الإقلیمیة والعدالة الإجتماعیة. ویمکن أن یلعب الحزب اللیبرالي FDP (الدیمقراطیون الأحرار) ،الذي احتل المرکز الرابع في استطلاعات الرأي، دوراً مصیریاً في الائتلاف في الحکومة المقبلة.

وبشأن تیار الیمین المتطرف، حسب ما ورد في استطلاعات الرأي، سیبقی حزب البدیل من أجل المانیا AfD في نفس النطاق کما کان في الجولة السابقة و لن ینمو. مع هذا، قد وردت بعض مفاهیم حوار الیمین المتطرف إلی الأدب السیاسي للأحزاب الأخری ایضاً خلال هذه السنوات مثل معارضة دخول المهاجرین. و من هذا المنطلق، لایمکن اعتبار توقف هذا الحزب عن النمو بأنه فشل للیمین المتطرف ،خاصة و الجدير بالإشارة بأن التوجهات المعادیة للأجانب و الجرائم الناتجة عن التنفر مع اصل العنصریة  قد نمت ایضاً في المانیا خلال هذه الفترة. كما أن الحزبین الیمین المتطرف والبدیل من أجل المانیا لن يتعاونا في أي سیناریوهات للحکومة الإئتلافیة ؛ لأن الأحزاب الألمانیة علی عکس نظیرتها النمساویة والإیطالیة، قاطعت هذا التیار السیاسي و رفضت التعاون معه علی المستوی الفیدرالي. مع هذا، سیستمر الیمین المتطرف حیاته کـقوة محلیة في الولایات الشرقیة لألمانیا.

جدیر بالذکر، إن نسبة کبیرة من الناخبین لم یتخذوا قرارهم النهائي بعد و هم مترددون. مع ذلک، لاشک في أن الحکومة القادمة ایضاً ستکون حکومة ائتلافیة. احدی السیناریوهات المحتملة لتشکیل الحکومة الألمانیة المقبلة هي حضور أحزاب الدیمقراطیین الإشتراکیین والخضر والدیمقراطیین الأحرار، المعروفین أیضا بإئتلاف إشارات المرور نظراً لتشابه ألوانهم، علی الرغم من أنه یوجد هنا الکثیر من الخلاف فی هذا الإئتلاف المحتمل بین حزب الدیمقراطیین الأحرار والإشتراکیین الدیمقراطیین. وعلی هذا الأساس، توجد هنا تحالفات اخری محتملة، من بینها تواجد الدیمقراطیین المسیحیین بدلاً من الإشتراکیین الدیمقراطیین في الترتیب أعلاه (المعروف باسم التحالف الجامایکي) أو وجود حزب الیسار الالماني بدلاً من الدیمقراطیین الأحرار.

و في بروکسل مقر الإتحاد الأوروبي، تتجه أنظار الکثیر إلی برلین والإنتخابات القادمة. من الواضح أن الترتیب السیاسي للأحزاب في المانیا، کـواحدة من القوی الأوروبیة الرئیسیة، سیکون له آثاره على المستوی الإقلیمي و الدولي. من جهة اخری، نظراً لـلإنتخابات المقبلة في فرنسا والمجر والقضایا الحالیة في اوروبا من تأثیر جائحة کورونا الی قضیة الهجرة والشعبویة والعلاقات مع روسیا والإرهاب والتغییرات الإقلیمیة وسیادة القانون و غیرها، فإن العدید من المراقبین هم بالفعل قلقون بشأن المستقبل السیاسي للبلد.

على الساحة الأوروبیة، بالتوازي مع تنامي الشعبویة والقومیة خلال السنوات الماضیة، التي کانت لها تداعيات مثل بریکست، حاولت حکومة میرکل دائماً الدفاع عن مکانة الإتحاد الأوروبي والتقارب کـرمز للنظام اللیبرالي. من جهة اخری، لم یتمکن ماکرون من الحصول علی شعبیة میرکل کأکبر داعم الإتحاد. البعض قلقون أن نهایة ولایة میرکل، يعني خسارة الإتحاد الأوروبي أحدی شخصیاته الرئیسیة و مؤیدیه. كما یعتبر البعض نهایة ولایة میرکل هي نهایة تدریجیة لقدرة المانیا علی زعامة الإتحاد الأوروبي و تقليل الإعتماد علیها.