مسار التطورات بعد انتهاء الحرب التي دامت 44 يوماً بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا وسلوك بعض الدول في المنطقة خاصة تركيا وروسيا والكيان الصهيوني يدلان على أنها تمتلك خططاً طويلة الأمد لتحقيق مصالحها وهي خطط تتعارض بعضها مع المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وستخلق مشاكل لها.

كان يقضي اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم بين أذربيجان وأرمينيا برعاية روسية أن تتوقف قوات كل من باكو ويريفان في آخر مواقع انتشارها وأن تتجنبا مزيداً من التقدم. إلا أن قوات جمهورية أذربيجان تقدمت عدة مرات في المناطق المتنازع عليها، وأدت أحد التقدمات إلى انتشار القوات الأذربيجانية على طريق الترانزيت بين غوريس وكابان، ما أعقبته مضايقات للشاحنات والحافلات الإيرانية التي تعبر الطريق.

 

دوافع جمهورية أذربيجان لقطع طريق الترانزيت

تتخذ ممارسات جمهورية أذربيجان بشأن هذا الطريق اتجاهاً هجومياً وعدائياً. في البداية، قطع الجيش الأذربيجاني هذا الطريق لساعات ثم فتحها نتيجة بعض المفاوضات. في المرحلة التالية، أنشأ نقاطاً لتفتيش المركبات الإيرانية وبدأ يأخذ رسوم العبور منها. وفي آخر التطورات، عمد بإلقاء القبض على سائقين إيرانيين كليهما من العرقية الأذرية وكان أحدهما يسلك الطريق برفقة عائلته. فلو كانت لدى جمهورية أذربيجان رغبة في تسوية الموضوع سلمياً، لكان بإمكانها تحديد جدول زمني يسمح لأرمينيا بتعريض ورصف وإكمال الطريق البديل، ثم مناقشة الخلافات مع الطرف الأرميني بشأن هذا الطريق. إلا أنه يبدو أن تلكؤ المسؤولين الأرمن والتزامهم الصمت تجاه الأمر، وتأخر إيران في إبداء ردة فعل بشأنه أوصل الجانب الأذربيجاني إلى حسابات خاطئة ما جعله يظن نفسه قادراً على تمرير رغباته ببساطة.

للبرهنة على ملكيتها لهذا الطريق، تلجأ جمهورية أذربيجان إلى وثائق التقسيم الإداري في الاتحاد السوفيتي بينما لا تقبل باعتماد نفس الوثائق السوفيتية لتحديد الوضع القانوني لبحر قزوين بغية تحقيق المزيد من المصالح. يبدو أن مسؤولي باكو لايؤمنون باستخدام الأساليب السلمية في ما يتعلق بقضايا القانون الدولي. من جهة أخرى، لم يرق التوجه الذي انتهجه مسؤولو أذربيجان لدول كإيران وروسيا وأرمينيا.

وعدا الإخلال بطريق الترانزيت بين إيران وأرمينيا ثم جورجيا والدول الأوروبية، تصر باكو على إنشاء ممر بين نخجوان وجمهورية أذربيجان عبر أراضي أرمينيا. من الواضح أن فتح ممر يتعارض مع مصالح الجمهورية الإسلامية ومرفوض من وجهة نظرها. من هنا، يبدو أن جمهورية أذربيجان تنوي ممارسة الضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية للموافقة على فتح ممر زنغزور، عبر القيام بمضايقات للرعايا الإيرانيين على طريق غوريس ـ كابان.

إلا أن هناك لاعبون إقليميون ودوليون آخرون لهم مصلحة في إنشاء هذا الممر وتهديد المصالح الوطنية الإيرانية، وعليهم تحمل مسؤولية تبعات ذلك.

ينبغي الانتباه إلى أنه توجد حالياً ثلاثة طرق برية تصل بين إيران وأوروبا عبر أرمينيا وأذربيجان وتركيا. تخطط جمهورية أذربيجان وتركيا لزيادة تكلفة استخدام طريق أرمينيا بالنسبة لإيران لدفع الأخيرة إلى التخلي عن استخدام ذلك الطريق نهائياً وتوفير ظروف أنسب لإنشاء ممر زنغزور. حينها، سيبقى طريقان يصلان بين إيران وأوروبا برياً عبر جمهورية أذربيجان وتركيا اللتين توظفان طريقي الترانزيت هذين لممارسة الضغط على إيران بمختلف الأشكال. فمن جهة، تقوم جمهورية أذربيجان إبطاء وتيرة تنقل الشاحنات الإيرانية بطرق مختلفة وعبر أخذ رسوم جمركية عالية تسبب فساد المواد الغذائية التي تصدرها إيران إلى روسيا ومن جهة أخرى، قامت تركيا برفع رسوم عبور الشاحنات الإيرانية عبر أراضيها عدة مرات. هذه التطورات تكشف عن مخاطر جدية وطويلة الأمد لمصالح إيران وأرمينيا على المدى البعيد.

تطورات قوقاز لا تعرّض للخطر المصالح الوطنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية فحسب. بل، وبالتزامن مع صعود طالبان للسلطة في أفغانستان وتنامي تدخل باكستان في ذلك البلد، من شأن تطورات القوقاز أن تهدد مصالح الصين وروسيا وهذا ما يتطابق مع مخططات الولايات المتحدة والناتو لإضعاف هذين الخصمين الجديدين. في حال فتح ممر زنغزور، سيتوفر طريق آمن وسريع لنقل القوات العسكرية لتلك الدول والإرهابيين المدعومين من تركيا وكذلك العناصر التابعة للكيان الصهيوني وبريطانيا وأمريكا إلى القوقاز ومنها إلى حدود الصين وروسيا، وهذا الواقع يحتم لفت انتباه البلدين إلى ما يجري والتشاور معهما بشأن ذلك. بالنظر لما ورد، يجب أن لا يُظنّ أن إحداث طريق بديل للترانزيت بين إيران وأرمينيا يحل المشكلة؛ لأن الأمر يفوق الخلافات الأرضية بين أرمينيا وجمهورية أذربيجان، والهدف هو إزالة كل العقبات من أمام تنفيذ مشروع ممر زنغزور.

والنقطة الخيرة هي ضرورة إجراء حوار مع الحكومة الأرمينية ومعاتبتها على بعض المواقف غير البنّاءة الصادرة عن مسؤولين أرمن اعتبروا مضايقات باكو للشاحنات الإيرانية مشكلة تخص جمهورية أذربيجان وإيران، إلى جانب تنبيه الحكومة الأرمينية على أهمية الموضوع وإفهامها أن هذا المشروع سيهدد ـ قبل كل شيء ـ استقلال أرمينيا ووحدة أراضيها.