إن تصعيد الوضع الاجتماعي والاقتصادي في أفغانستان بعد توقف المساعدة المالية والتقنية من قبل عمال الإغاثة والذين تتشكل غالبيتهم من الدول الغربية، هو مصدر قلق لروسيا. إن أفغانستان على شفا الانهيار الاقتصادي، وصوت جرس الإنذار بشأن عدم الاستقرار والأزمة الإنسانية الحقيقية في أفغانستان هو الذي يؤثر على العالم. واستئناف أنشطة المؤسسات الحكومية والبنوك أصبح أمراً غير معروف. إن ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والوقود في كابول والمدن الكبرى الأخرى، أثار حالة من الاستياء تجاه سياسات طالبان، وتدرس موسكو إرسال مساعدات إنسانية روسية إلى كابول، وتأمل أن تساهم الرعاة المموّلين والدول المانحة في تحسين الوضع الاقتصادي لهذا البلد.

تدعي روسيا أنها تواصل دعم أفغانستان كما في السابق لتكون متنعمة بالاستقرار كدولة مستقلة ومنظمة اقتصادياً. قد يكون للانسحاب المضطرب للدول الغربية من أفغانستان تأثيراً سلبياً على رفاهية البلد بأكملها. لقد قررت الدول الغربية أشكال تواجدها والقيام بشؤونها في أفغانستان، بعيداً عن سلطة مجلس الأمن الدولي، ولم تقدم أبداً تقريراً إلى هذا المجلس والمجتمع الدولي. إن المسؤولية الرئيسية عن هذا العمل، وكذلك “الإرث” الذي تركوه لحركة طالبان، يقع على عاتقهم. موسكو تدعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمنع حدوث أزمة إنسانية في أفغانستان. تعتقد روسيا أن ممثلي طالبان يتخذون خطوات لإنشاء نظام سياسي جديد في هذا البلد، وتدعم موسكو التشكيل المبكر لحكومة ائتلافية شاملة بمشاركة جميع القوى العرقية والسياسية في أفغانستان، بما في ذلك الأقليات القومية.

تشعر روسيا بالقلق من أن الإرهابيين والمتطرفين قد يتسللون إلى دول في المنطقة وآسيا الوسطى تحت ستار طالبي اللجوء. إن احتمال تسلل العناصر الإرهابية والمتطرفين إلى أراضي البلدان المجاورة لأفغانستان، ولا سيما آسيا الوسطى، أمر يدعو للقلق. يمكنهم التسلل تحت ستار الشعارات الإنسانية وطلب المساعدة للاجئين وما إلى ذلك. في الأيام الأخيرة، بعد نشر أنباء تشير إلى أن منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحاول إقناع جيران أفغانستان بفتح حدودها لقبول المهاجرين، ردت موسكو على سؤال مفاده أنه إذا كان لدى الناتو خطة لفتح حدود أفغانستان مع الدول المجاورة ستعاني أوروبا من هذه القضية.

وتعتقد روسيا، التي تنتقد السياسات الأمريكية والغربية، أن الولايات المتحدة والغرب، على الرغم من انسحابهما المتسرع من أفغانستان، يظلان مسؤولين بالدرجة الأولى عما يحدث في هذا البلد. ووفقاً لموسكو، فإن الدول الغربية تقوم بأعمال منفلتة في هذا البلد منذ 20 عاماً، بينما كان عليها اتباع أوامر مجلس الأمن. إنهم “مدينون” لأفغانستان بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد شهد العالم ما فعله الناتو، بقيادة الولايات المتحدة هناك وماذا كانت نتائج أفعاله.

من وجهة نظر موسكو، يجب على المجتمع الدولي، وفي المقام الأول عمال الإغاثة الغربيين في أفغانستان، تقديم مساعدة فعالة لشعب هذا البلد من أجل الحد من تدفق المهاجرين أو إيقافه تماماً. ترى موسكو أن الوضع في أفغانستان ناتج عن الإهمال والاستهانة بالوضع الحقيقي في هذا البلد، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم كفاية أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية ودول الناتو الأخرى، والتي لم تقم بشكل كافٍ وهادف على جمع المعلومات وتحليلها.

تعتقد موسكو أن هناك بعض الأمريكيين الذين استفادوا من هذه الحرب، لذا فهم لا يهتمون بما يفكر فيه العالم بأمريكا. بالنسبة لهذه المجموعة من الناس، أصبحت الحرب التي استمرت 20 عاماً منجم ذهب. لقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار من دافعي الضرائب مباشرة على الحرب. إذا تم أخذ التكاليف غير المباشرة في الاعتبار، فسوف يتضاعف هذا الرقم تقريباً. على سبيل المثال، الجيش الأمريكي الذي يتم من خلاله تداول مليارات الدولارات من أموال الجيش الأفغاني. تم إنفاق حوالي 90 مليار دولار فقط على تدريب الموظفين، وقد حقق المقاولون الخاصون جراء ذلك  أرباحاً ضخمة.

خلال الوجود العسكري الأمريكي، زاد عدد الهجمات الإرهابية في أفغانستان أضعافا مضاعفة. القاعدة وداعش وحركة تركستان الشرقية الإسلامية وغيرها من الجماعات الإرهابية التي تستخدم أفغانستان كقاعدة لعملياتها في آسيا الوسطى وشينجيانغ وشمال إيران نحو الهند، ترى أن الوضع في أفغانستان مناسب. بدلاً من مكافحة تهريب المخدرات خلال عقدين من الإدارة العسكرية والسياسية في أفغانستان، نفذت الولايات المتحدة خطة لإنشاء مختبر مخدرات عالمي، مما أدى إلى زيادة إنتاج المخدرات في أفغانستان بمقدار 40 ضعفاً.

 

كثفت روسيا، من خلال مجلس الأمن والمؤسسات الأمنية التنفيذية والخدمات الخاصة والوكالات العسكرية، اتصالاتها مع الحكومات الأقرب إلى أفغانستان، ولا سيما مع طاجيكستان وأوزبكستان في المقام الأول، وكذلك مع الصين وإيران والهند وباكستان. استغلت موسكو بنشاط إمكانيات منظمة معاهدة الأمن الجماعي ومنظمة شنغهاي للتعاون.

تركز موسكو بشكل أساسي على الجهود السياسية والدبلوماسية في أفغانستان، وتسعى مع شركائها إلى إيجاد طرق لإقامة حوار بين الأفغان وحل مشاكل البلد سلمياً. تولي موسكو أهمية كبيرة لدور الأمم المتحدة التنسيقي في الجهود الدولية لحل الأزمة الأفغانية. بحيث يقال إن إسلام أباد وموسكو أقامتا تعاوناً بشأن أفغانستان في إطار “مجموعة الأربعة زائد واحد” وأن المحادثات جرت من خلال خدمات خاصة.

يعتبر الرئيس الروسي بوتين أنه من المستحيل “فرض أي شيء من الخارج” على المستقبل السياسي الذي تهيمن عليه طالبان في أفغانستان. ووفقاً له، على مدى عشرين عاماً، كان الجنود الأمريكيون موجودين في هذه الأرض وحاولوا تغيير حضارة الناس الذين يعيشون هناك وترسيخ قواعدهم ومعاييرهم المعيشية هناك، والتي كانت النتيجة كارثة. اتخذت روسيا حتى الآن موقفاً تصالحياً وسلمياً نسبياً تجاه طالبان، داعية إلى “حوار وطني” لتشكيل حكومة، لكن موسكو لا تزال تعتبر طالبان جماعة “إرهابية”. على الرغم من أن روسيا تجري محادثات معهم منذ سنوات، إلا أنها لا تنوي الاعتراف بطالبان في أفغانستان في هذا الوقت.

يعتبر فلاديمير جباروف، النائب الأول لرئيس اللجنة الدولية بمجلس الاتحاد، صراحة أن تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة أمر مقلق وله اتجاه متطرف. تقر روسيا بأن اتصالات هذا البلد تتم من خلال سفارتها في كابول، وتعتبر هذه الاتصالات ضرورية لأمن الدبلوماسيين ومسائل فنية أخرى، ولم تخطط لأي مفاوضات أخرى حالياً. تراقب روسيا، مثل العديد من الدول الأخرى، جهود الحكومة الأفغانية لإنشاء نظام سياسي جديد في البلاد، كما دعت إلى تشكيل حكومة ائتلافية شاملة مع جميع القوى السياسية والعرقية في أفغانستان، ومن المتوقع أن يتم الاعتراف الرسمي بالحكومة الجديدة بعد اكتمال العملية.

بعد الإعلان عن إرسال طالبان دعوات إلى إيران وروسيا وقطر وباكستان والصين وتركيا لحضور حفل تنصيب أعضاء حكومة طالبان، والذي تم إلغاؤه لاحقاً، قالت روسيا إنه لم يتم اتخاذ أي قرار للاعتراف بطالبان. وأنها تراقب التطورات عن كثب وتحاول فهم مدى مطابقة وعود طالبان بأفعالهم المستقبلية. من المهم بالنسبة لروسيا الشكل الذي سيبدو عليه نظام حكم طالبان في كل من النظام ككل والأشخاص الذين سيتولون المناصب فيه. وتشير الأدلة إلى أن موسكو أقامت علاقات عمل مع طالبان من خلال السفارة الروسية في كابول لكن ليس لديها خطط للتفاوض مع الحكومة الجديدة التي أعلنتها طالبان.