في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، قال بير محمد ملا زهي بشأن وضع أفغانستان من المنظور المحلي: “تواجه طالبان صراعاً مع تيارين محليين؛ أولهما التيار الديمقراطي الليبرالي والحكومة التي حكمت البلاد ونشأت من رحم مؤتمر بون الدولي في عام 2001. هذا التيار كان يضم قوى مثقفة تؤمن بالديمقراطية الليبرالية وتربعت على السلطة منذ ذلك الحين”.

وأضاف: “في الخطوة الأولى، رسم هذا التيار مساراً مؤلفاً من ثلاث مراحل وهي الحكومة المؤقتة والحكومة الانتقالية ثم وضع الدستور من خلال دعوة لويا جيركا. وعلى أساس ذلك، تألفت حكومة عبر الانتخابات برئاسة حامد كرزاي. وبعد حامد كرزاي تسلم أشرف غني السلطة والذي شهدت دورة رئاسته في مرحلتين جدلاً وخلافاً “.

وقال الخبير: “في المرحلة الأولى، تم وضع صيغة بتدخل من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جون كيري، كانت تقضي بانتخاب رئيس للجمهورية ورئيس تنفيذي (عبد الله عبد الله) لحكم أفغانستان. ومع أن الدستور الأفغاني لم يكن ينص على اعتماد صيغة كهذه، لكن الظروف السائدة دفعت الأمر بهذا الاتجاه”.

ولفت ملا زهي إلى أنه لم يشارك في المرحلة الثانية من الانتخابات سوى أقل من مليون أفغاني، مضيفاً: “لذلك فقدت الحكومة الشرعية المطلوبة وفي ظل ذلك، أصبح التيار الليبرالي الذي نال السلطة منذ عام 2001 وبعد سقوط طالبان، الرابح الرئيسي من التطورات الأخيرة في أفغانستان”.

ورأى أن تحديد الرابح الثاني للتطورات الأخيرة يعود إلى الأسلوب الذي ستنتهجه طالبان لممارسة السلطة والهيكلية التي ستصمم لها، مضيفاً: “إذا أرادت طالبان حكر السلطة ـ وهي خطوة ستسلبها الاستقرار والهدوء ـ فمن المتوقع أن تكون الجماعات المذهبية والشيعة والجماعات العرقية كالطاجيك والأوزبك والهزارة من الخاسرين. لكن إذا قبلت طالبان بهيكلية متوازنة للسلطة تضم العرقيات وعمدت إلى تشكيل حكومة تساهم فيها مختلف الجماعات العرقية والمذهبية، فحينها لن تكون تلك الجماعات من الخاسرين على الأقل وسيكون بإمكانها المشاركة في السلطة. إلا أن هذا الأمر مرتبط بأن تكف طالبان عن ممارسة الإحتكار”.

وإذ أشار خبير شؤون شبه القارة إلى الجانب الإقليمي لتطورات أفغانستان، قائلاً: “من الناحية الإقليمية، ربما يمكن اعتبار الهند الخاسر الرئيسي؛ لأن باكستان كانت داعمة لطالبان دائماً واليوم عادت طالبان للسلطة بدعم وإسناد من إسلام آباد”.

وقال ملا زهي إن الهند قد تكون في المستقبل الخاسر الرئيسي من هذه التطورات لسببين، موضحاً: “أولاً؛ استثمرت الهند في أفغانستان مليارات الدولارات، ذهبت هباءاً اليوم، كما أن النظام المتحالف مع الهند في أفغانستان قد سقط. بل وقد تتحول أفغانستان إلى ساحة لتدريب الجماعات المعادية للهند مثل لشكر طيبة وحزب المجاهدين وجماعة جيش محمد وأن تتجه إلى القيام بعمليات في كشمير الهند لتحقيق مصالح باكستان”.

وبالنسبة لكون إيران رابحة أم خاسرة من تطورات أفغانستان، قال هذا الأمر موطن خلاف بين الخبراء، مضيفاً: “يرى البعض أن إيران تضررت من التطورات الأخيرة ويشيرون بشكل خاص إلى التأثير الأيديولوجي السعودي على طالبان. وبالنظر للتعارض والتنافس الأيديولوجي بين طهران والرياض حسب زعم البعض، ستكون علاقات السعودية المستقبلية مع طالبان أفضل ولن تحقق إيران المكانة التي تريدها في أفغانستان”. لكن وبغض النظر عن الجانب الأيديولوجي، يجب القول إن إيران قادرة على الاستغلال الأقصى للفرص المتاحة في أفغانستان بالاعتماد على الطاقات الكبيرة الموجودة للتعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي و موقع أفغانستان الجغرافي.

اعتبر ملا زهي تركيا وقطر من الرابحين من هذه التطورات، قائلاً: “يمكن توقع أن تجد تركيا موطئ قدم في أفغانستان وبين الناطقين بالتركية في هذا البلد، وفق سياسة القومية التركية والعثمانية الجديدة. ونظراً لكونها عضواً في الناتو، يمكنها أن تنوب عن القوات الأمريكية والناتو في أفغانستان”.

وأضاف: “كما أنه من المحتمل أن تلعب الشركات التركية دوراً مهماً في أعادة الإعمار بأفغانستان ما يساعد تركيا على أخذ زمام المبادرة في مجال التجارة”.

وقال ملا زهي حول دور قطر: “الأموال التي توجد اليوم بحوزة طالبان والصفقات التي تعقد مع القادة المحليين، هي من قطر. ولذلك تحظى قطر ـ في المرحلة الراهنة  على الأقل ـ بمكانتها الخاصة”.

ورأى الخبير في الشؤون الدولية أن أمريكا هي خاسرة مشروطة من التطورات الأخيرة، موضحاً: “إذا ما افترضنا أن الأمريكان عقدوا صفقة من وراء الكواليس مع طالبان في الدوحة فيجب اعتبارهم خاسرين. وعليه، المستقبل كفيل بتحديد كون أمريكا رابحة أم خاسرة”

وأضاف: “لكن من المنظور الأيديولوجي، أمريكا خاسرة فعلاً؛ لأنها اضطرت للتراجع عن الديمقراطية الليبرالية التي كانت تريد تطبيقها في أفغانستان والعراق ما يمثل هزيمة لها”.

واعتبر الخبير هذا التراجع هزيمة كبيرة للبيت الأبيض؛ لأنها تفتح المجال في أفغانستان أمام الصين بصفتها منافسة أمريكا. وإذا قامت كابول بإبرام عقود مع الصين لإعادة تأهيل مناجمها العظيمة ستكون الصين رابحة من التطورات الراهنة. إلا أن هذا الأمر يعتمد على توجهات طالبان المستقبلية واحتمالات ميلها نحو الصين أم أمريكا.

واختتم ملا زهي بالإشارة إلى أن روسيا قلقة إلى حد ما من هذه التطورات؛ لأن العناصر المتواجدة في شمال أفغانستان وعلى تخوم آسيا الوسطى هي قوات عرقية تابعة لداعش. لذلك، إذا فتحت طالبان الفضاء أمام داعش، قد تقوم تلك العناصر بعمليات ضد مصالح روسيا في الشيشان وآسيا الوسطى.