جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
الأهداف الخفية وتداعيات الهجوم المحتمل للكيان الصهيوني على لبنان

برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
مؤخراً، شن جيش الكيان الصهيوني موجة متصاعدة من الهجمات الجوية والصاروخية في عمق الأراضي اللبنانية. الذريعة الرئيسية للكيان الصهيوني لهذا الإجراء هي ادعاءات حول إعادة بناء وتقوية القدرات العسكرية لحزب الله ونقل أسلحة من سوريا. هذه الهجمات، التي هي في حقيقتها انتهاك لسيادة وأمن لبنان، تدل على أن الكيان الصهيوني، من دون مراعاة العواقب الخطيرة لأفعاله العسكرية، ينوّي بدء حرب جديدة ضد لبنان.
وفقاً للتقارير المنشورة، فإن الهجوم العسكري على لبنان موضوع مطروح على جدول أعمال حكومة الحرب في الكيان الصهيوني وتجرى دراسة خيارات متعددة لهذا الهجوم. ومنذ أسابيع أطلق المسؤولون الأمريكيون أيضاً حملة تهديدات مفادها أنه إذا لم يتم خلع سلاح حزب الله فسوف يضعون شكوكهم جانباً ويطلقون يد الكيان الصهيوني للقيام بأي عمل في لبنان. تام باراك، مبعوث الولايات المتحدة، حذّر مؤخراً من أنه إذا لم يُنفَّذ خلع سلاح حزب الله بحلول يناير/كانون الثاني 2026، فإن احتمال بدء عمليات عسكرية من قبل تل أبيب لإتمام هذه المهمة سيزداد بشكل ملحوظ.
رغم الضغوط الأمريكية الكبيرة لخلع سلاح حزب الله وتحديد جدول زمني لتنفيذه الذي يفترض أن يتم حتى يناير/كانون الثاني 2026؛ إلا أن القادة السياسيين والعسكريين في لبنان لا يبْدون ميلاً كبيراً لتنفيذ خلع سلاح حزب الله، الذي ينبغي أن يمتد أيضاً إلى 12 مخيماً للاجئين الفلسطينيين داخل البلاد. حالياً، يتابع ضباط أمريكيون متمركزون في مقر القيادة الشمالية في مدينة صفد المحتلة سير العمليات لحظة بلحظة؛ وهو ما يدلّ على تنسيق مباشر وغير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب في إدارة غرفة العمليات الحربية ضد لبنان.
الأهداف الخفية تتجاوز خلع سلاح حزب الله
السؤال الأساسي هو: هل يسعى الكيان الصهيوني بالتركيز العسكري على لبنان لمجرد خلع سلاح حزب الله أم أنه يتبع أهدافاً أبعد من ذلك؟ ما يتضح هو أن إصرار الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على خلع سلاح حزب الله يخدم هدف احتلال أجزاء من أراضي هذا البلد. منذ قيام الكيان الصهيوني، ظل لبنان محط أنظار مخططي استراتيجية تل أبيب، بسبب الجوار الجغرافي والموقع الجيوسياسي والبنية السياسية المتنوعة. ولأسباب تاريخية وأمنية، اعتبر الكيان الصهيوني حلم ضم أجزاء من جنوب لبنان هدفاً استراتيجياً.
هذا الأمر لم يكن مبنياً فقط على ادعاءات تاريخية، بل أيضاً للسيطرة على الموارد المائية وخلق عمق استراتيجي في مواجهة تهديدات الجبهة الشمالية، وقد كان محور اهتمام المسؤولين الصهاينة دائماً. حتى الآن، كان حزب الله، بوصفه أقوى قوة مقاومة على الحدود الشمالية للأراضي الفلسطينية المحتلة، العقبة الأساسية أمام التوسع والاعتداءات الاستعمارية لهذا الكيان. وبكل جرأة يمكن القول إن لبنان لولا وجود حزب الله لواجه منذ سنوات مصيراً شبيهاً بفلسطين والجولان. ورغم أن الكيان الصهيوني أعلن تدمير القدرات الدفاعية والصاروخية لحزب الله كهدف معلن، إلا أن الهدف الحقيقي أعمق من ذلك، والكيان يسير في برنامج طويل الأمد لضم أجزاء من لبنان إلى الأراضي المحتلة.
مع وجود تهديدات خارجية من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، يمتلك لبنان نقطة قوة، وهي وجود حزب الله كأكبر رأس مال اجتماعي وأمني وأقوى عامل رادع أمام أي احتلال. حتى الآن حال حزب الله دون تحقيق مخططات التوسع الصهيونية في هذا البلد. وقدرتا حزب الله العسكرية والصاروخية، التي ظهرت مراراً ميدانياً، تجعل تكلفة أي هجوم على الأراضي اللبنانية معقدة وثقيلة للغاية بالنسبة للكيان، وتضع أمامه تبعات مدمرة وشديدة الضرر. يبدو أن الكيان الصهيوني أساء فهم التطورات الداخلية للمقاومة اللبنانية ولديه حسابات خاطئة في هذا المجال.
تغيير ميزان القوى وتجربة الحروب السابقة
حزب الله اليوم هو ذاته قبل نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مع فارق هو أن حزب الله يتمتع بمزيد من الحماس والقوة وتكتيكات جديدة. في الجولة الأخيرة من المواجهات التي استمرت ثلاثة عشر شهراً، وللمرة الأولى خلال فترة قصيرة أُطلق أو أُرسِل أكثر من ثمانية عشر ألف صاروخ وقذيفة وما يزيد عن ستمائة طائرة مُسيّرة هجومية واستخباراتية نحو الأراضي المحتلة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 150 من عناصر الكيان الصهيوني وجرح ثلاثة آلاف آخرين. ببساطة، تكبّد هذا الكيان في آخر حربه مع حزب الله نحو سبعة أضعاف متوسط خسائر الحروب السابقة. ودخول حزب الله إلى حرب غزة أيضاً دفع بتسليل سموتریتش، وزير مالية الكيان الصهيوني، للاعتراف في كلمة داخل الكنيست أن مقاومة فلسطين ولبنان فرضت أطول حربٍ وأكثرها كلفة في تاريخ الكيان الصهيوني.
أي عمل عسكري واسع للكيان الصهيوني ضد لبنان لن يكون نصراً استراتيجياً، بل سيكون بداية دخوله مستنقع لا يمكن حساب نتائجه، وسيعرّض أولاً أمن الكيان لتهديد غير مسبوق. الكيان الصهيوني يتهيأ لحرب ليست شبيهة بالنزاعات المحدودة السابقة. لكن خلافاً لاعتقاد الصهاينة، استعاد حزب الله بعد استشهاد السيد حسن نصرالله وبقيادة جديدة خلال أقل وقت ممكن قدرته والردع، ولا يزال يملك ترسانة قوية من الأسلحة الدقيقة وطويلة المدى والمدمرة والقادرة على جعل كامل الأراضي المحتلة، من المراكز الحيوية إلى القواعد العسكرية والبنى التحتية الاقتصادية والطاقة، عرضة لغارات صاروخية.
بلا شك، أي إشعال للحرب ضد لبنان سيواجه ليس فقط مقاومة شعبية بل رد فعل حازم من حزب الله والجيش اللبناني، وسيحوّلها إلى حرب مكلفة ومدمرة لأمن واقتصاد ومجتمع الكيان الصهيوني؛ ذلك الكيان الذي، خلافاً لاستعراضاته الظاهرية وسردياته المصطنعة، يعاني من أزمات سياسية واجتماعية عميقة ويتّسم بحالة هشة للغاية من الداخل.
0 تعليق