جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
جمود الحرب الأوكرانية ميدانياً ودبلوماسياً

مرتضى مكي ـ خبير في الشؤون الروسية
إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وإطلاق صاروخ “سينيفا” من غواصة نووية في بحر بارنتس، وإطلاق صواريخ كروز من الطائرات الاستراتيجية، كانت في الواقع رداً رمزياً على المناورات المتزامنة لحلف الناتو في أوروبا، التي حملت اسم “الظهيرة الصامدة” Steadfast Noon وشاركت فيها قاذفات “بي–52” الأمريكية ومقاتلات “إف–35” في بلجيكا وهولندا. مناورتان تفصل بينهما أيام قليلة، أعادتا مشهد الحرب الباردة: ردع في مقابل ردع، وتهديد في مقابل تهديد.
ميدانياً، أعلنت موسكو أن قواتها سيطرت على عدد من القرى في منطقتي زابوروجيا ودنيبروبتروفسك، ونفذت هجمات جديدة ضد البنى التحتية للطاقة والصناعة في أوكرانيا. في المقابل، شنّت كييف هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك داغستان ولينينغراد. هذا التوسع في نطاق الاشتباك يشير إلى انتقال الحرب من خطوط الجبهة إلى عمق أراضي الطرفين.
أما على الصعيد السياسي، فتعقيدات الحرب الأوكرانية اليوم أكبر من أي وقت مضى. فقد اقترح دونالد ترامب أن يدخل الطرفان في مفاوضات على أساس خطوط التماس الحالية. وهو طرح اعتبره فولوديمير زيلينسكي “تسوية وسطية تستحق التفكير”، لكنه أبدى شكوكه في قبول بوتين بها. إلغاء لقاء ترامب وبوتين في بودابست يشكّل مؤشراً على هشاشة المبادرة الأميركية للسلام. وفي هذا السياق، تقدم مراكز الفكر والأوساط الاستراتيجية الغربية صورة واضحة عن تعقيد الوضع. إذ جاء في تقرير حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن “المناورات النووية الروسية تحمل رسالة سياسية أكثر مما تحمل طابعاً تقنياً، وهي موجهة إلى واشنطن والناتو مفادها أن أي تراجع يجب أن يقابله تنازل متبادل”. وأكد المركز أن بوتين من خلال هذه المناورات يستعرض قدرة الردع الروسية ويسعى إلى إدارة مسار المفاوضات المحتملة تحت “ظل التهديد”.
من جهته، اعتبر معهد رند (RAND) في تحليل جديد أن المناورات المتزامنة للناتو وروسيا تعبّر عن عودة إلى نموذج “الردع المزدوج” في أوروبا، وهو النموذج الذي نُسي تقريباً طوال ثلاثة عقود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وحذّر المعهد من أن استمرار هذا النهج يزيد من خطر الخطأ في الحسابات بين موسكو والغرب، خاصة في ظل تراجع قنوات الاتصال العسكري بين الجانبين إلى الحد الأدنى.
أما معهد تشاتام هاوس (Chatham House) في لندن فكتب في تحليله أن المناورات الأخيرة تشير إلى انتقال روسيا من مرحلة الدفاع إلى مرحلة “استعراض القوة العالمية”. وبحسب تعبيره، “يستخدم بوتين المناورات كأداة لتثبيت شرعيته الداخلية وتوجيه رسالة مزدوجة إلى الغرب: نحن جاهزون، لكن ليس بأي ثمن”. ويتفق هذا الطرح مع تحليل مركز كارنيغي في موسكو الذي يرى أن “المناورة النووية هي لغة بديلة للدبلوماسية الروسية، وشكل من أشكال المساومة من موقع القوة في ظل تضاؤل الخيارات السياسية”.
في الجانب الأمريكي، حذّر معهد بروكينغز (Brookings) من أن اقتراح ترامب بوقف الحرب على خطوط التماس الحالية يعني عملياً “الاعتراف بالمكاسب العسكرية الروسية”. وبرأي بروكينغز، قد يؤدي هذا الاتفاق إلى إنهاء مؤقت للقتال، لكنه سيكون “سلاماً غير مستقر” يمنح روسيا فرصة لإعادة بناء قواتها.
في المقابل، رحّب معهد كوينسي (Quincy Institute) بمقترح ترامب، معتبراً أن “الحل العسكري لم يعد ممكناً، وأن قبول خطوط التماس الحالية يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لوقف إطلاق نار دائم”.
نستخلص من ذلك، إن التطورات الأخيرة تشير إلى ثلاثة مسارات متزامنة: أولاً، العودة الواضحة للمنطق النووي إلى السياسة العالمية؛ ثانياً، تصاعد الاشتباكات المحدودة والمركزة داخل أراضي روسيا وأوكرانيا؛ وثالثاً، جمود دبلوماسي لم تستطع حتى الإرادة السياسية في واشنطن كسره.
وفي ظل هذه الأوضاع، يبدو أفق الحرب الأوكرانية في خريف عام 2025 أكثر غموضاً من أي وقت مضى. فإذا عُقد لقاء ترامب وبوتين في نهاية المطاف، فقد يفتح ذلك الباب أمام مسار تفاوضي جديد، أما إذا استمر الجمود الراهن، فسيواجه العالم واقعاً تصبح فيه كل تجربة صاروخية أو مناورة نووية وسيلة للتفاوض أو للتهديد. وكما قال المحلل الروسي البارز فيودور لوكيانوف: “المناورات الروسية اليوم هي دبلوماسية صاروخية، أسلوب للحديث مع عالم لم يعد يصغي إلى لغة الدبلوماسية التقليدية”.
0 تعليق