تؤكد العقيدة البحرية الجديدة على توسيع وجود البحرية الروسية في البحار والمحيطات، خاصة في القطب الشمالي والمحيط الهادئ والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأسود وبحر قزوين، وتحدد بوضوح حدود هذا البلد، بما في ذلك في القطب الشمالي و البحر الأسود؛ وفي الوقت نفسه، تشخص أيضاً التهديدات الرئيسية ضد الأمن القومي لروسيا.

على الرغم من أن العقيدة البحرية الروسية توسّع المصالح الوطنية للبلاد ـ باعتبارها “قوة بحرية كبرى” ـ إلى جميع محيطات العالم، إلا أن مراجعة الوضع الحالي للبحرية الروسية تظهر أنها لا تملك قواعد بحرية كافية في العالم؛ لذلك وبناءً على العقيدة الجديدة، ستكون أولوية روسيا هي تطوير التعاون الإستراتيجي والبحري مع المناطق المهمة التي تم تحديدها في العقيدة العسكرية والبحرية الروسية كمناطق بحرية ذات أهمية جيوستراتيجية.

يعد بحر قزوين والبحر الأسود وشرق المتوسط ​​من بين “المناطق المهمة” التي يجب على البحرية الروسية تأمين المصالح الوطنية فيها من وجهة نظر اقتصادية وأمنية. لذلك، يمكن أن تكون آفاق تعزيز وتطوير هذا التعاون، الذي يعتبر مهماً جداً للتنمية الاقتصادية الروسية، إيجابية ومؤثرة على الأمن القومي والإقليمي. من المحتمل أن يشمل هذا التعاون على الأغلب الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، وخاصة الهند والصين، بالإضافة إلى تعاون أوسع مع إيران وحتى السعودية.

بإمكان بحر قزوين، باعتباره بحراً للسلام والصداقة، أن يوفر أرضية لتعاون روسيا البحري مع دول حوض بحر قزوين، خاصة إيران. كما أنه على إيران، وبينما تراقب عن كثب الأنشطة العسكرية لمختلف البلدان في بحر قزوين، أن تغتنم الفرصة لتوسيع التعاون مع روسيا بهدف تطوير قوتها البحرية والسعي لتحقيق الأمن الكامل بشكل جماعي في هذا البحر. إذ من الواضح أن أهم مبدأ للبحرية الإيرانية هو تحقيق الأمن الكامل في المناطق البحرية الخاضعة لسيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

في الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي تأكيد العقيدة الجديدة على تعزيز الوجود الروسي والقوة البحرية الروسية في البحر الأسود وشرق البحر المتوسط ​​إلى مخاطر على الناتو وخاصة تركيا على المدى الطويل. حيث أن وجود الناتو في شرق البحر الأبيض المتوسط، بالتزامن مع زيادة هيمنة ووجود روسيا في هذه المنطقة بعد ضم شبه جزيرة القرم، يزيد من خطر تصاعد التوتر. يسمح الوجود الروسي القوي في البحر الأسود بعد بدء الصراع مع أوكرانيا وتعزيز موقعها الجيوسياسي بالسيطرة الفعلية على البحر الأسود، وتغيير وتفسير القوانين والمعاهدات المنظمة لمرور السفن عبر المضائق الإستراتيجية مثل البوسفور لصالحها، وزيادة قدرة هذا البلد على رصد ومراقبة جميع التحركات البحرية في البحر الأبيض المتوسط. لذلك، فإن تجهيز البحرية الروسية في غضون أشهر بصواريخ جديدة تفوق سرعة الصوت وأي تهديدات وعقبات لمرور السفن العسكرية والغواصات الروسية عبر المضائق في شرق البحر المتوسط ​​يمكن أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية. لذلك، تؤكد العقيدة الجديدة للبحرية الروسية على أهمية وضرورة الوجود النشط للبحرية الروسية في هذه المناطق.

بالنظر إلى كمية احتياطيات الطاقة غير المعروفة وأهمية تطوير حقول النفط والغاز في إطار سياسة الطاقة وحتى السياسة الخارجية لروسيا (الخاضعة مباشرة لإشراف بوتين)، يعتبر استخراج وبيع النفط والغاز من المناطق المذكورة هي أحد الدوافع الرئيسية لروسيا في “دفع أسطولها البحري إلى شمال وشرق البحر الأبيض المتوسط”.

من ناحية أخرى، تتداخل سياسات روسيا في آسيا والقطب الشمالي بشكل كبير. تسعى موسكو إلى الاقتراب من اليابان، بينما تحاول في نفس الوقت أن تزيد من عسكرة المنطقة. لذلك لا يمكن استبعاد إمكانية إنشاء منطقة مغلقة وعسكرتها. بالتزامن مع ذلك، لا تزال روسيا على خلاف مع اليابان، وتنظر إلى معظم آسيا على أنها قوى معادية ومهددة لا يمكن مواجهتها إلا في إطار العسكرة. كما أنه بالنظر إلى أن القطب الشمالي يوفر بوابة إستراتيجية لروسيا إلى المحيطين الأطلسي والهادئ وأن الحفاظ عليه هو أحد الأهداف الرئيسية للسياسات العسكرية الروسية، فإن وجوداً أقوى في هذه المنطقة يمنح روسيا القدرة على الوصول إلى خطوط الاتصال البحرية للعدو ومهاجمتها.

النتيجة

لا تترك أحداث الأشهر الأخيرة الكثير من الأمل في تقليص الفجوة العميقة بين روسيا والقوى الغربية. تهدف العقيدة البحرية الروسية الجديدة إلى تنويع وتوسيع تعاونها البحري مع جميع الدول الصديقة من أجل توحيد وتنسيق إستراتيجياتها البحرية وتصدير الأسلحة أيضاً، حتى يتأكد الغربيون، وخاصة الأمريكيون، من عدم امتلاكهم القدرة على مواجهة روسيا ومهاجمتها، وأنه إذا تعرضت مصالح موسكو للخطر، فإنهم سيواجهون إجراءات حاسمة من قبل القوات العسكرية الروسية، خاصة في البحار.