في إطار إجراءات محددة، يسعى الصهاينة إلى رسم وخلق بيئة “ما قبل الحرب” بشكل مسيطر عليه ضد إيران؛ أجواء لها طابع حربي وتُقرَع فيها طبول الحرب، بدون أن تنتهي إلى الحرب.

وفي هذا السياق، فقد نظّم الصهاينة في الأسابيع الأخيرة إجراءاتهم المعادية لإيران بشكل مباشر وغير مباشر في ثلاثة مجالات محددة هي الاغتيالات وأعمال التخريب والضغط الدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي، واستغلوا كل قوتهم لدفع مخططاتهم للأمام. وهو سلوك سيتلقون الرد عليه بالتأكيد في الوقت المناسب.

اغتيال الشهيد صياد خدائي، وأعمال التخريب في منشآت تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، ورفع مستوى التحركات الأمنية والدبلوماسية في المنطقة بهدف خلق إجماع إقليمي ضد إيران، إلى جانب إثارة الأجواء وحرب نفسية ضد إيران على نطاق واسع بشأن عملياتها المزعومة ضد الصهاينة في تركيا، تأتي في هذا الإطار.

إن جميع الإجراءات التي نفذها الكيان الصهيوني في المجالات الثلاثة المذكورة أعلاه تشكل الخطوط العريضة لـ “مواجهة متعددة الأبعاد” ضد إيران. ومن المثير للاهتمام أن هذه المواجهة التي وُضعت مؤخراً على أجندة الصهاينة بشكل متزامن وبكثافة أكبر، متواصلة منذ سنوات بأشكال وعناوين مختلفة.

المشروع المنشود للكيان الصهيوني هو تشكيل “تحالف عسكري جديد” ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمشاركة الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وتركيا ومصر، باعتباره “الواجهة الرئيسية” لمواجهته متعددة الأبعاد مع إيران. وفي هذا الصدد ، قال وزير الدفاع الصهيوني، غانتس، في بيان: “في مواجهة إيران، المطلوب ليس التعاون فحسب، بل تشكيل قوة إقليمية بقيادة الولايات المتحدة”.

وتجري متابعة هذا المشروع من قبل الكيان الصهيوني في حين أن التحالف المذكور ضد إيران قد تم تشكيله “على نطاق واسع” في المجالات الاقتصادية والأمنية والنفسية وغيرها من قبل الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين والدوليين، وقد اجتاز اختباره في مجال التنفيذ.

بشكل عام، هناك فئتان من المعوقات، “داخلية” و “خارجية”، تكشف مسبقاً عن الفشل في تشكيل مثل هذا الإجماع والتحالف ضد إيران. الأولى هي الموقع الجيوسياسي الخاص لإيران، إلى جانب الوضع الداخلي الفوضوي والمتأزم للكيان الصهيوني الذي جعل الصهاينة غير قادرين على اتخاذ أي إجراء فعال ضد إيران، حتى مع افتراض تعاون دول المنطقة.

والثانية هي “عدم التعاون المطلوب” داخل المنطقة وعلى الصعيد الدولي مع الكيان الصهيوني لمواجهة إيران. فأيّ مغامرة وإثارة حرب من قبل الصهاينة ضد إيران تتطلب مشاركة دول المنطقة، والحصول على موافقة الولايات المتحدة وحتى رضا روسيا. أما البيت الأبيض فلن يعطي الضوء الأخضر لتل أبيب لاتخاذ إجراءات ضد إيران بناءً على تقييمها لأوضاعها الداخلية والخارجية وظروف الكيان الصهيوني والأوضاع العالمية والإقليمية، وقوة ردع إيران. بالإضافة إلى ذلك، لا تدعم السعودية والإمارات وتركيا وروسيا تل أبيب في هذا الصدد.

في الأشهر الماضية، صرحت الإمارات بوضوح، من خلال إرسال وفد أمني رفيع المستوى إلى طهران وكذلك في محادثة هاتفية لوزير خارجيتها مع وزير الخارجية الإيراني مؤخراً، أنها لن تشارك في أي تحالف مناهض لإيران ولن تُستَخدم كمنصة لمهاجمة إيران.

المملكة العربية السعودية كذلك، لتحسين وضعها الأمني ​​وإدارة الحرب في اليمن على الأقل، لن تثقل كاهلها بتحالف عسكري ضد إيران. موقف روسيا وتركيا كذلك واضح في هذا المجال؛ حيث أنها من منطلق علاقاتهما الودية ومصالحهما وأولوياتهما فيما يتعلق بإيران، لن تدخلا في مثل هذه الاصطفافات المثيرة للجدل.

وتجدر الإشارة إلى أن علاقات روسيا مع الكيان الصهيوني قد تضررت مؤخرًا؛ إذ شكّل الهجوم على مطار دمشق انتهاكاً لكافة القوانين الدولية والخطوط الحمراء الروسية؛ الأمر الذي أثار حساسية موسكو وقلقها، ولأول مرة تحاول روسيا إحالة قضية الكيان الصهيوني إلى مجلس الأمن. هذه القضية، وإن من المتوقع أن تواجه الفيتو من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأعضاء في مجلس الأمن، إلا أنها أثارت القلق في تل أبيب.

هناك موضوع مهم آخر وهو ارتفاع مستوى التحذيرات الأمنية للمواطنين الصهاينة من السفر إلى تركيا؛ الأمر الذي دعى إلى اتخاذ السلطات التركية موقفاً بشأنه. تركيز الكيان الصهيوني على تركيا على الرغم من تنقل رعاياه في مختلف دول المنطقة، مثل الإمارات وأذربيجان والبحرين والمغرب وغيرها، يجب أن تكون بالنسبة لأنقرة نقطة “قابلة للتأمل” توحي بـ” حياكة سيناريو هادف” لتقويض وإضعاف علاقات تركيا مع إيران؛ ما يستدعي “اليقظة” من حكومة أنقرة هذا الصدد.

من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن اللعبة الخبيثة للكيان الصهيوني في تركيا قد تسببت في مشاكل لهذا البلد؛ حيث أن قطاع السياحة الذي يعتبر من مصادر دخل تركيا الرئيسية، واجهت إلى حد ما “الركود وانخفاض الدخل” بسبب تراجع عدد السائحين في الأسابيع الماضية!

على أية حال، إذا تم تقييم هذه المواجهة من وجهة نظر “التكلفة – الفائدة” فإنها مقارنة بتكاليفها لم تحقق بالتأكيد أي إنجازات مهمة لتل أبيب، باستثناء “النجاحات الوهمية”؛ بل على العكس من ذلك، فقد عمقت وعززت التهديدات الأمنية من الداخل والخارج ضد الكيان الصهيوني.

طبعاً لدى الصهاينة “حيلة” خاصة في هذا الصدد؛ فهم يحاولون دائما التظاهر من خلال “الدعاية الإعلامية والسياسية” بأنهم يأخذون بزمام المبادرة في مواجهة إيران. لكن كيف يمكن لكيان لا يستطيع الدفاع عن نفسه ضد قطاع غزة بطول 40 كم وعرض 6 كم، أن يطلق مثل هذه المزاعم ضد أقوى دولة في المنطقة ؟!

على كل، من الأفضل لقادة الكيان الصهيوني التخلي عن أوهام المغامرة؛ لأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تراقب باستمرار وبعناية التطورات في المنطقة والبيئة المحيطة بها ولديها الاستعداد الدفاعي وقدرة الردع الكافية للتصدي لأي مغامرة ضد أمنها ومصالحها القومية.