قبل تحليل الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت “الخاسر الأكبر” في الانتخابات البرلمانية العراقية 2021. منذ شهور قبل الانتخابات، كان البيت الأبيض يبحث عن “تعليق” أو “مقاطعة” الانتخابات وفي حال تعذر ذلك، “التأثير على نتيجة الانتخابات” باستخدام أدوات سياسية وأمنية وإعلامية مختلفة. لكن بفضل جهود وصمود العراقيين وأطراف سياسية مختلفة أجريت الانتخابات وحصلت القائمة المدعومة أمريكياً على 9 مقاعد فقط في مجلس النواب! كما فشل العديد من الشخصيات البارزة التي تتضح صلتها بالولايات المتحدة في الفوز بمقاعد في البرلمان.

في المقابل، كان ممثلو الأحزاب الشيعية المؤيدة للخطاب الإسلامي وجبهة المقاومة، بمن فيهم الصدريون، “أكبر الفائزين” في الانتخابات. بشكل إجمالي، تمكنت التيارات الشيعية من الفوز بـ 179 مقعداً في البرلمان (ما يعادل 52٪)؛ نتيجة لم تكن تنطوي على رسالة جيدة للولايات المتحدة! واشنطن “الخاسرة” في الانتخابات البرلمانية العراقية 2021بدأت منذ ذلك الحين تستغل كل فرصة “للانتقام” من التيارات الشيعية، حتى مقتدى الصدر نفسه.

لا شك في أن مقتدى الصدر ينتمي إلى عائلة أصيلة وعريقة ومجاهدة ومناهضة للاستكبار. تعتبر عائلة الصدر، بمن فيهم مقتدى، “فاعلين فريدين” في التطورات الداخلية في العراق، عملوا من أجل “المصالح الوطنية” للعراق في أوقات مختلفة و ضحّوا في هذا الطريق بشهداء عظماء.

العراق اليوم في وضع “حساس جداً”، و “اليقظة” ضرورية لاجتياز هذه المرحلة الخطيرة. ومن المتوقع أن يكون مقتدى الصدر حريصاً بما فيه الكفاية على عدم السماح بـ “إساءة استغلاله” من قبل الأعداء الداخليين والخارجيين للشعب العراقي. إذ يخطط بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين والعناصر الداخلية المناهضة لوحدة واستقرار وازدهار الشعب العراقي لإغراق هذا البلد في مستنقع “أزمات معقدة وطويلة الأمد” باسم مقتدى الصدر وتحت غطاء إجراءات أنصاره.

أظهرت أحداث الأسابيع الأخيرة أن الصدر يقود حركة لا يملك “رقابة” كافية عليها، وعلى الرغم من وجود عدد كبير من المؤيدين يفتقر لمقاربة واقعية تتماشى مع المصالح الوطنية العراقية. لذلك، يمكن لأناس مختلفين من العناصر البعثية إلى اليساريين والقوميين وحتى التكفيريين “التسلل” بسهولة إلى صفوف هذه الحركة والصراخ بمطالبهم باسم الصدر وزيادة توتير الوضع في العراق.

إن لعبة شد الحبال في الشارع ليس الطريق إلى الخروج من المأزق السياسي في العراق، بل سيكون لها أيضاً تأثير سلبي على دور الصدر وتأثيره في المستقبل السياسي للعراق. وزادت هذه القضية من تشاؤم الناس تجاه رجل الدين الشيعي العراقي، ما يؤدي إلى إضعاف موقفه السياسي.

إن إعطاء الأولوية لـ “المصالح الوطنية” للعراق والعمل على أساسها في مجال صنع القرار وكذلك في التصريحات والخطب والبيانات هي قضية مهمة يمكن أن تحل جزءاً كبيراً من المشاكل الحالية وأن تفوت على العدو الفرصة لأي مغامرة وتحريض وتعميق الانقسامات السياسية والفصائلية و … .

الأجواء السياسية والميدانية غير المؤاتية التي ظهرت في العراق في الأسابيع الأخيرة، إذا لم يتم إيقافها أو السيطرة عليها في مرحلة ما، فإنه سيسهل ويسرع تمرير “الخطط والبرامج الأمريكية” في العراق. إذا كان الأمريكيون قد سعوا حتى سنوات قليلة مضت إلى إثارة الصراعات الشيعية – السنية في العراق، فإن تأجيج “الصراعات الشيعية – الشيعية” اليوم هو على رأس خطط الولايات المتحدة وحلفائها.

استقطاب المجتمع العراقي، والتهديدات الناجمة عن عودة نشاط خلايا داعش النائمة، واتساع ساحة اللعبة الأمريكية والفاعلين الإقليميين المخربين الآخرين وكذلك الجماعات الإرهابية في العراق، وانتشار الخلافات بين الشيعة، وازدياد مخاطر اندلاع صراع عسكري بين العناصر المسلحة التابعة لتياري الصدر والإطار التنسيقي الشيعيين وبالتالي اشتداد المأزق السياسي الحالي، تعتبر أهم النتائج السلبية لاستمرار الأوضاع الحالية في العراق، والتي إذا لم تتم إدارتها أو السيطرة عليها فقد يواجه هذا البلد جولة جديدة من الأزمات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وما إلى ذلك.

تظهر نتائج التطورات الأخيرة في المجتمع العراقي، أن التيارات الشيعية ـ باستثناء التيار الصدري – وحتى غير الشيعية مستعدة للدفاع عن الهيكل السياسي في العراق دون خلق توتر وتحديات متزايدة، عبر العقلانية السياسية والالتزام بثبات المواقف وكذلك من خلال الإصرار على الحلول القانونية والمدنية بما فيها الحوار.

التيارات المذكورة ومنها الإطار التنسيقي الذي يضم جزءاً مهماً ومؤثراً من المجتمع العراقي وحصل على مقاعد مهمة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تلتزم اليوم، مثل زمن ظهور أزمة داعش تماماً، بتوجيهات المرجعية الشيعية في النجف الأشرف وتكره أي استعراض قوة في الشارع.

إن المناخ السياسي في العراق جعل تقدم الأمور بشكل إيجابي وتشكيل حكومة فعالة يتطلب تفاعل ومشاركة وتعاون جميع التيارات السياسية الفاعلة والحريصة على العراق. إن تبنّي الراديكالية السياسية والشمولية والأحادية وتجاهل مطالب الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى في العراق كان له دائماً نتيجة عكسية.